القرآن محاولة لقراءة مغايرة ١٠١
    السبت 17 سبتمبر / أيلول 2022 - 18:48
    ضياء الشكرجي
    محلل سياسي وكاتب في الشؤون الإسلامية
    الحقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُن مِّن المُمتَرينَ (٦٠)

    هنا حسب هذه الآية يطلب الله من نبيه ألا يكون من الممترين. إذن أن يكون محمد وهو المرسل من الله والموحى إليه هذا القرآن من الممترين أمر ممكن، فكيف يؤاخذ الله من يشك بالقرآن بعد أربعة عشر قرنا؟ ثم شهادة القرآن لنفسه هو من الدور الذي يعتبره علم المنطق من الممتنعات العقلية. عندما نشك بصدق قول قائل، لا يمكن ونحن الشاكون بصدقه أن نسلم بصدقه عندما يشهد هو لنفسه على صدقه. ثم بعد الوصول إلى استحالة أن يكون القرآن من وحي الله، لا يبقى لنا إلا القول ببشريته، وبالتالي فهو من تأليف محمد نفسه، وهنا لا بد من تسجيل الاستغراب من كونه يعبر في هذه الآية وفي عدد غيرها عن شكه بنبوته.

    فَمَن حاجَّكَ فيهِ مِن بَعدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعالَوا نَدعُ أَبناءَنا وَأَبناءَكُم وَنِساءَنا وَنِساءَكُم وَأَنفُسَنا وأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَّعنَةَ اللهِ عَلَى الكاذِبينَ (٦١)

    ليست لدينا مصادر محايدة تخبرنا عن قصة مباهلة نبي الإسلام مع نصارى بني نجران، حيث تروي السيرة أنه دعاهم حسب توجيه الله له بعقيدة المسلمين وحسب هذه الآية بسبب مخالفتهم له في عيسى الذي طرحه القرآن بشرا رسولا نبيا، بينما يعتقد المسيحيون أنه ابن الله، أو هو الله تجسد في يسوع، وهكذا بالنسبة للخلاف فيما إذا كان قد صلب، أو إن الله نجاه ورفعه إليه، فالمباهلة تعني أن يدعو اللهَ كلٌّ من الطرفين أن يجعل الله اللعنة على الفريق الكاذب منهما ويهلكه. وتروي رواية المسلمين أن نصارى بني نجران خشوا أن تنزل اللعنة عليهم فعلا، فقبلوا بدفع الجزية. وليس بوسعنا أن نجد سبيلا للتحقق في مدى صدق الرواية القرآنية، ناهيك التفاصيل الواردة في السيرة وتفسير مفسري القرآن. ولكن دعونا نفترض إن محمدا لم يكن نبيا مرسلا من الله، وبالتالي أن القرآن ليس وحيا منزلا من الله عليه، إنما هو من تأليفه، فكيف يا ترى يدعوهم للمباهلة، وماذا لو كانوا قد استجابوا، وتباهل الطرفان، ولم ينزل العذاب على أي من الفريقين كعلامة على حلول لعنة الله على ذلك الفريق؟ ثم الغريب إن محمدا كمؤسس للديانة الإسلامية، يفترض أنه يعلم بكونه ليس نبيا، بينما نصارى نجران لم يكونوا هم المؤسسين للديانة المسيحية، بل ورثوا عقيدتهم، ويفترض أنهم مصدقون بصدق عقيدتهم، ولو إنه لا يبعد أن يكون منهم من كان يراوده الشك، ولكن تمسكه بعقيدته هو من قبيل المكابرة، وإلا فلم لم يستجيبوا لدعوة المباهلة إذا كانوا واثقين من صحة إيمانهم، فهل راودهم يا ترى الشك، وخشوا أن قد يكون محمد فعلا نبيا مرسلا، فيحل عليهم العذاب، ويكون ذلك دليلا على صدق نبوة محمد، فيتحول كل المسيحيين إلى مسلمين. ربما تكون القصة كلها مدعاة ولم يكن لها أي واقع، وربما وضعت هذه الآية بعد محمد، لما يعتري القرآن من شكوك في طريقة جمعه، واحتمال الزيادة والنقصان فيه.

    إِنَّ هاذا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَما مِن إلاهٍ إِلَّا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ (٦٢) فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّ اللهَ عَليمٌ بِالمُفسِدينَ (٦٣)

    لكن يأتي القرآن ليشهد لنفسه بصدق ما يروي من قصص، كما في هذه الآية، وهذه شهادة المشكوك في صدقه على صدقه، مما لا يقبله العقلاء عادة. فإن إنسانا عندما يدعي أمرا ليس عاديا بل خارقا للعادة، ومما يكون من الطبيعي الشك في صدقه، فيصدقه أناس ويكذبه آخرون، ومن أجل حسم الخلاف يأتي ذلك المدعي نفسه ليدلي بشهادته على صدقه هو. ولا ندري لماذا يكون غير المقتنع مفسدا، مما يجعله مستثنى من آية تحريم القتل بقول «مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نَفسٍ أَو فَسادٍ فِي الأَرضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَميعًا»، إذن كل من لم يصدق بنبوة محمد، فهو مفسد، وبالتالي لا يكون من الذين إذا قتل، فكأنما قتل قاتله الناس جميعا.

    قُل يا أَهلَ الكِتابِ تَعالَوا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَينَنا وَبَينَكُم أَلّا نَعبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشرِكَ بِهِ شَيئًا وَّلا يَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضًا أَربابًا مِّن دونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوا فَقولُوا اشهَدوا بِأَنّا مُسلِمونَ (٦٤)

    جميل أن يدعو أحد فريقين مختلفين الفريق الآخر إلى كلمة سواء ومساحة مشتركة بينهما، من أجل أن يتعايشا بسلام رغم اختلافهما. لكن ليس من العدل أن يكون تحديد الكلمة السواء من أحد الفريقين دون السماع إلى رأي الآخر. ربما يقول ثمة قائل، إن هذا كان يمثل مقترحا أو مشروعا للكلمة السواء، كان بالإمكان أن يطرح الفريق الثاني طلبا بتعديلات عليه. لكن ليس هناك ما يدلنا على أن هذا هو المراد من الآية، بل هو مجرد افتراض. لو كان المسلمون جادين أو لنقل لو كان نبيهم جادا في دعوته هذه لكان المفروض أن يقول «تعالوا إِلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا أو يتخذ بعضنا بعضا عبيدا، وألا يعتدي بعضنا على بعض ولا يظلم بعضنا بعضا، وليؤمن كل منا بما يؤمن». وإلا فهذه الكلمة السواء غير صالحة كمشترك بين الفريقيين، إلا بتخلي المسيحيين عن عقيدتهم، فهم إن وافقوا من حيث المبدأ وفق فهم لهم لمفردات الكلمة السواء المقترحة، يمكن أن يشكل عليهم بأنهم خالفوا لكونهم يعبدون اليسوع إلى جانب الله ويتخذونه ربا مع الله. لنفترض أن عقيدة المسلمين هي العقيدة الحق، وعقيدة المسيحيين عقيدة باطلة، ولكنهم يعتقدون بها حقا كما المسلمون بعقيدتهم، فهل يجب أن يكون التعايش ممتنعا، إلا بفرض الفريق الأقوى شروطه؟

    يا أَهلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجّونَ في إبراهيمَ وَما أُنزِلَتِ التَّوراةُ وَالإِنجيلُ إِلّا مِن بَعدِهِ أَفَلا تَعقِلونَ (٦٥)

    وعلى ذات النحو يمكن أن يقال «يا أيها المسلمون لِمَ تُحاجّونَ في إبراهيمَ وَما أُنزِلَ القرأنُ إِلّا مِن بَعدِهِ، أَفَلا تَعقِلونَ».

    هاأَنتُم هاؤُلاءِ حاجَجتُم فيما لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحاجّونَ فيما لَيسَ لَكُم بِهِ عِلمٌ وَّاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمونَ (٦٦)

    ومن يحدد مَن مِن الفريقين يعرض تصوراته عن علم، ومن منهما يفعل ذلك بغير علم؟ ومن يثبت لنا إن إبراهيم أصلا كان له وجود حقيقي، كي يُختَلف فيه؟

    ضياء الشكرجي
    dia.al-shakarchi@gmx.info
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media