مسير الأربعين والعشق الحسيني ـ الجزء الأول
    الأثنين 19 سبتمبر / أيلول 2022 - 07:44
    عبود مزهر الكرخي
    تمر في أيامنا هذه ذكرى عزيزة على كل موالي  ومحب أهل البيت بل وعلى كل مسلم وإنسان شريف إلا وهي زيارة الأربعين والتي أضحت زحف مليوني يجاهد كل شيعي وموالي بالمسير مشياً وعلى الأقدام للوصول إلى قبلة العاشقين وتقبيل ومسك الضريح المطهر لسيد الشهداء سيدي ومولاي أبي عبد الله الحسين(ع) ومواساة الأمام علي زين العابدين(ع)وعقيلة الطالبيين الحوراء زينب في السبي الحسيني لذراري وحرم رسول الله(ص) من قبل أخس الناس وأكثرهم إجراما على وجه التاريخ في سبي وهتك لحرمات أهل البيت وبصورة يندى لها الجبين ولا يتقبلها أي إنسان يؤمن بقيم الحق والبطولة والتي أوغلوا إجراما بعد سفك الدم الزكي لريحانة رسول الله (ص) وأهل بيته وأصحابه المنتجبين قرروا وفي إصرار ليس له سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ الإنساني في حمل أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط على أقتاب الإبل حاسرات الرأس وكأنهن سبايا من الخوارج والديلم وهذه الفاجعة قد كتبت في كل كتب التاريخ عن هذه الجريمة الإنسانية من قبل يزيد(لعنه الله) ومعه زمرته المجرمة والذين لم يتورعوا عن فعل هذا الفعل المجرم والبشع والذين لا أدري بماذا يواجهون نبينا الأكرم محمد(ص) وهم قد قاموا بهذا الفعل المشين وكيف يكون حسابهم وخصيمهم الله ورسوله وهذا ماصرحت عنه بطلة كربلاء العقيلة زينب (ع) ليزيد اللعين في خطبة طويلة منها ( اللهم خذ لنا بحقنا ، وانتقم ممن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا ، وقتل حماتنا ، فوالله ما فريت الاً جلدك ، ولا حززت الاً لحمك ، ولتردن على رسول الله " صلى الله عليه وآله بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته فى عترته ولحمته ، حيث يجمع الله شملهم ، ويلم شعثهم ، ويأخذ بحقهم { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله امواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } وحسبك بالله حاكماً ، وبمحمد صلى الله عليه وآله خصيما ، وبجبرئيل ضهيرا ، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا وايكم شر مكانا وأضعف جندا)(1).

    ومن هنا ونحن نشاهد هذه الحشود المليونية وهي تزحف إلى كعبة الثوار كربلاء المقدسة وهي تجدد العهد للحسين(ع) ولزينب الحوراء روحي لها الفداء وتواسيها في مسيرها من الشام صوب أرض الغاضرية والتي أضحت قطعة ارض من الجنة لأنها تضم أعظم خلق الله بها بعد جده الرسول الأعظم محمد وأبيه أمير المؤمنين وأمه فاطمة الزهراء وأخيه الحسن المجتبى(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وتصبح تراب كربلاء من أقدس التراب وتصبح من المستحبات إن يسجد المصلي في صلاته على تربة أبي عبد الله روحي له الفداء ويعفر جبينه بهذه التربة الطاهرة ولتصبح هذه الملايين من الزوار تزداد يوماً بعد يوم وليزوره من أقصى بقاع الأرض وتصبح زيارة أبي الضيم الحسين بمثابة حجة يحج أليها كل مؤمن بعد الحج الأكبر وهذا ماصرح به إمامنا جعفر الصادق عندما يقول في حديثه (زيارة الحسين (عليه السلام) تعدل مائة حجّة مبرورة، ومائة عمرة مـُتـَـقبـّـلة ) (2). لتصبح واجبة على موالي ومسلم ويقر بالأمامة بقوله (عليه السلام) ( زيارة الحسين بن علي (عليه السلام) واجبة على كل من يقرّ للحسين بالإمامة من الله عزّ وجلّ ) (3).

    والتي حاول كل الحكام الجائرين بدءً من بني أمية إلى العباسيين وعلى مدى التاريخ العمل على إزالة هذا العشق الحسيني ووقف هذا الزحف وبكل الطرق والمحاولات والتي كلها لم تفلح بل على العكس عجلت بسقوط عروشهم العفنة لأن كانوا وبمعنى أدق عندما يحاربون الإمام أنما يحاربون الله في عرشه والذي ذكر نبيه وحبيبه سيدنا محمد(ص) في حديثه الشريف الذي يقول :( عن الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام) قال :كنّا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) أنا وحارث الأعور قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول : يأتي قوم في آخر الزمان يزورون قبر ابني الحسين ، فمن زاره فكأ نّما زارني ،ومن زارني فكأنّما زار الله سبحانه ، ألا ومن زار الحسين فكأنّما زار الله في عرشه ) (4).

    ولهذا أصبح كل موالي وشيعي يتسابق ويحث الخطوات في التسابق للوصول إلى الضريح الشريف والتي كان الأوغاد من المجرمين يحاولون طمس القبر المطهر من خلال هدمه أو حرثه أو هدّ الماء عليه من اجل طمس معالمه وهذا ماعمل عليه المتوكل العباسي وكل الجبابرة فلم يزيد إلا هذا القبر إن يتألق ويزداد وهجاً ولتصبح القلوب تهفو إليه ومن كل الطوائف والأديان ومن مختلف الأعراق وليصبح أمام وقائد لكل الإنسانية ولا يخص مذهب أو دين معين ولتصبح كربلاء المقدسة منار يهتدي إليها كل القلوب الحائرة والمضلة لتهتدي بهذا الأنوار الآلهية والمحمدية والذي يقتبس أنواره من نور الله سبحانه وتعالى وجده نبينا الأكرم محمد(ص) ولتكون كعبة لكل من يطلب حاجة أو يريد الهداية ويريد تلمس الصراط المستقيم لأنه عندما نتمسك بهذا الأمام العظيم نكون قد تمسكنا بالرسالة المحمدية وبديننا الحنيف بدون زيغ أو انحراف ولتبقى الأنوار الحسينية متألقة وتزداد وعلى مدى الزمن وإلى يوم القيامة وهذا ما قالته الحوارء زينب(ع) في مجلس الطاغية يزيد(لعنه الله) لكي تزلزل الأرض من تحته وهي تقول مقولتها المشهورة(( فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فو الله لا تمحوا ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا يرحض عنك عارها ، وهل رأيك الاً فند ، وأيامك الاً عدد ، وجمعك الاً بدد ، يوم ينادى المنادى الا لعنة الله على الظالمين ، والحمد لله رب العالمين ، الذى ختم لأولنا بالسعادة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة ، انه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل  ))(2).

    والذي تحقق كلام بطلة كربلاء وما زاد كل الظالمين من النواصب والمعادين لأهل البيت إلا خذلاناً وخيبة فهم قد تفننوا في القتل وقطع الأيادي لمنع زيارة الحسين(ع) من هارون العباسي إلى المتوكل ولتسترسل وعلى مدى السنين لتصل إلى الصنم هدام ولكن ذلك لم يثني عشاق الحسين من زيارته وتحت أي ظرف قاهر وليصبح في زمن المتوكل وحتى الصنم هدام يذهب العشرة من الأشخاص وهم قد اغتسلوا وحضروا الأكفان وليبقى واحد منهم ليقوم بالزيارة عنهم بعد أوامر الطغاة بقتلهم فأي حب وعشق حسيني لهذه الشخصية العظيمة والتي مستعد كل المحبين التضحية بنفسه من اجل الوصول الى كربلاء وزيارة الضريح المطهر في صور وتضحيات يعجز القلم عن إن يصفها لأن القلم يعجز عن تسطيرها وذلك لأن العشق الحسيني قد طبع في شرايين وأوردة كل عاشق حسيني بحيث يصبح الموت لا يهمه ولا يحرك له شعرة بل يصبح الموت هو غايته لكي يلتحق بالركب الحسيني وليصبح مع أصحاب الحسين وينال شفاعة الحسين يوم الورود وهو غايته وطموحه والذي ما بعده طموح وغاية.

    وفي جزئنا القادم شوف نناقش ما نورده من ملاحظات في الزيارة المليونية وما رافقها من جوانب مضيئة وإيجابية وأمور سلبية والتي يجب أن تكون لنا وقفة على هذه الزيارة الربانية والسماوية أن شاء الله.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    المصادر :
    1 ـ كتاب زينب من المهد إلى اللحد ص 485 ـ 490 وكذلك كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي.
    2 ـ كامل الزيارات: 121.
    3 ـ اي تعدل بثوابها ـ كامل الزيارات: 142.

    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media