سُقراط صاحبُ الدفاع الأَشهَر في مُواجهة قُضاةٍ ظَلَمة! أَعطى بسيرته وفلسفته أُمثولة العظَمة للإنسانيَّة كلِّها!
    الأحد 15 يناير / كانون الثاني 2023 - 06:44
    ماجد مهدي*
    كاتب لبناني
    شغلَ موضوعُ الخير والشرّ فكر الإنسان منذ فجر الخليقة حتَّى اليوم. فالصراعُ بينهما أَزليٌّ، بدأَ مع نشأَة الحياة، ولن ينتهي إلاَّ إذا تحقَّقت الغلبةُ لأَيٍّ منهما على الآخر. فإمَّا أَن تستحيل الأَرضُ فردوسًا مُقيمًا تعمُّه السعادة، ويسودُه السلام، وإمَّا أَن تغدو جحيمًا تغشاهُ الضلالة، وتتحكَّمُ به المظالم، وتَجثُمُ على صدره الحروبُ التي قد تُوردُه موارد الفناء. 
    في المقابل، كان الأَنبياءُ والهُداة والمُصلحون وسواهم من دُعاة الحقّ والفضيلة والعدالة دائبي الحضور في ساحات الصراع، يُسهمون، كلٌّ منهم بمقدار، في توجيه مساره بما يُحقِّقُ هداية الإنسان وانتزاعه من جاذبيَّة الشرّ. لكنَّ الأَنبياءَ تميَّزوا عمَّن سواهم بامتلاك المعرفة اليقينيَّة، يمدُّهم بها روحٌ إلهيٌّ مُقتدرٌ مُلهِمٌ مُرشدٌ وعليمٌ بأَسرار الحياة والموت والكائنات والعوالم والأَكوان، وبالقدرة على إتيان الخوارق والمعجزات إثباتًا لصحَّة رسالاتهم الإلهيَّة التي ائتُمنوا عليها، وسُموِّ الحقائق الروحيَّة التي نادَوْا بها. بَيْدَ أَنَّ الآخرين كان لهم حضورهم المؤَثِّر، بشكلٍ أَو بآخر، في الحضِّ على انتهاج سُبُل الخير. فمنذ القِدَم، لم تَعدَم بعضُ الأُمم والشعوب مفكِّرين كبارًا أَسرَتهم أَلغازُ الحياة ومُعمَّياتُها، فسعوا جاهدين إلى اكتناه خفاياها عن طريق العقل والمنطق. وقد نجح البعضُ منهم في وضع نظريَّاتٍ فكريَّة حملَت في طيَّاتها قبساتٍ متواضعة من نور الحقيقة، في حين أَخفق كثيرون، واكتفى آخرون بطَرح التساؤلات التي كانت تَشغلُ فكرهم، وبوَضع نهجٍ أَخلاقيٍّ يَحسنُ السيرُ بموجبه في الحياة. وكانت بلاد اليونان أَوَّل مَن أَطلق على ذلك النشاط الفكريّ مُصطلح "الفلسفة" Philosophia، أَي "محبَّة الحكمة"، على أَنَّ الحضارات السابقة للهلِّينيَّة، مثيل حضارة بلاد ما بين النهرَيْن والحضارة المصريَّة، والتي كانت مدنُ إيونيا، مهد الفلسفة اليونانيَّة، على تواصُلٍ معها، هي التي أَنشأَته وطوَّرَته. ويرجِّحُ بعضُ الفلاسفة القُدامى أَن يكون سقراط Socrates (4٦٩-399 ق.م) أَوَّل من استخدم هذا المصطلح، ولكنْ بالمفهوم الأَخلاقيّ، أَي بمعنى "محبَّة الحكمة الخُلقيَّة".  
    والجديرُ بالذكر أَنَّ الفلسفة قد بلغَت مع سُقراط قمَّةً في رِفعة الشأن، نظرًا لما اتَّصف به من بحثٍ عن الحقيقة، وشغفٍ بنشرها، وإبداعٍ في إجراءِ الحوارات حولها، وشدَّة مِراسٍ في الجدَل، يرفدُها إيمانٌ عظيمٌ بالهَّ ، وضميرٌ حُرّ، وعقلٌ مُتَّزن، وجرأَةٌ في قول الحقّ، وتواضعٌ عظيم، وسلوكٌ مثاليّ، وإعراضٌ عن مباذل الحياة، واستهانةٌ بالموت، ويتوِّجُها اعتقادٌ يقينيٌّ راسخٌ لديه بأَنَّه يحملُ على عاتقه أَعباءَ رسالة، واعترافٌ علنيٌّ منه بأَنَّه يسمعُ بين الحين والآخر صوتًا إلهيًّا مُرشدًا، وذلك في ما يُشبه التوجيه الإلهيّ له في مَهمَّته السامية. وقد أَفصح مرارًا عن تلك الرسالة وذلك الصوت الإلهيّ، حتَّى خلال الدفاع الذي قدَّمه أَمام قضاته الخمسمائة الذين حاكموه في أَثينا بتهمة إفساد الشبيبة وزعزعة عقائد العامَّة، والذي قام تلميذُه أَفلاطون بتدوينه بعد إعدامه، وأَطلق عليه اسم "دفاع سقراط".
    ففي فصلٍ من ذلك الكتاب، وتحت عنوان "الثبات في تأدية الرسالة"، يُعلنُ سُقراط أَمام قُضاته أَنَّه يَقصرُ أَحقِّيَّة الطاعة على اللَّه وحده دونَهم، وأَنَّه سيدأَبُ على دراسة الفلسفة ونشرها وإنْ أَدَّى به ذلك إلى حَتْفه، ويُصارحُهم في أَمر الوحي الإلهيِّ الممنُوح له، قائلاً: "يا رجال أَثينا، إنِّي أُجلُّكم وأُحبُّكم، ولكنَّ اللَّه أَحقُّ بأَن يُطاع. وما دامت فيَّ نسمةُ حياة وتسنَّى لي، فلن أَكُفَّ عن درس الفلسفة، ولن أَكُفَّ عن أَن أُحرِّضَ وأَنصحَ كلَّ واحدٍ منكم، مُردِّدًا ما قد أَلفتُ تَرداده: "أَلا تَربأُ بنفسكَ، يا صديق، وأَنتَ أَثينيٌّ من أَعظم وأَشهر حاضرة، حكمةً واقتدارًا، أَن تَصرفَ عنايتك إلى الغنى وأَسباب تنميته بدل أَن تَقصرَ نفسكَ على طلَب المجد والشرف، ونيْل الحكمة، والتبصُّر في حقيقة نفسك لتَزينها بزينة الكمال؟" ولا يُخالجكم ريبٌ أَنَّ ذلك ما يقصدُه اللَّه من وحيه، وليس في طاقة يدي أَن أَصطنعَ لمدينتكم معروفًا أَجملَ من تفرُّغي لخدمة الهَّي، بحيث لا يَشغلُني في تَطوافي شاغلٌ سوى أَن أَحُثَّكم، أَنتم الفتيانُ والشيوخ، أَن لا تُؤثروا الاهتمام بأَجسادكم وأَموالكم على الاهتمام بالنفس، لأَنَّها أَفضلُ جزءٍ فيكم... وفوق هذا أَقولُ لكم، يا رجال أَثينا: أَطلقوني أَو أَبرزوا حُكمكم فيَّ؛ فتلك خطَّتي لا أَتحوَّلُ عنها ولو أُلجئتُ أَن أَموتَ مرارًا."
    وفي فصلٍ آخر من الكتاب، يُعيدُ سقراط السبب في اعتزاله السياسة إلى تعليمات ذلك الصوت الإلهيّ الذي كان يمنعُه من الانخراط فيها، قائلاً: "قد يستهجنُ أَحدُهم مسلكي كيف أُشيرُ بالخير في الشؤون الخاصَّة، في حين لا أَتجرَّأُ أَن أَختلفَ إلى مجتمعاتكم لأَبذلَ مَشُورتي فيما يتعلَّقُ بخير الأُمَّة... فإنَّ صوتًا إلهيًّا فائقًا قد وافاني منذ الحداثة، فكفَّني عمَّا أَردتُ محاولتَه، ولم يُغرِني يومًا بمُزاولة وظيفة، بل كان يَحولُ بيني وبين السياسة."
    وتحت عنوان "رسالة سقراط تأديب الشبيبة"، وفي سياق دفاعه عن نفسه، يعلنُ سقراط مجدَّدًا، وبوضوحٍ تامّ، حقيقة الرسالة التي فوَّضها اللَّه إليه، والوحي الذي يتلقَّاه منه، بالقول: "أَجل إنِّي لم أَقُم معلِّمًا لأَحدٍ من الناس؛ ولكنْ إنْ شاق أَحدَ الشبَّان أَو الكهول أَن يستمع كيف آخذُ بالكلام وأُتمُّ رسالتي، فلم أَكنْ أَنقبضُ عنه. إنَّ سامعيَّ يجدونَ غبطةً في امتحاني أَدعياءَ الحكمة الأَغرار؛ وقد فُوِّض إليَّ هذا الامتحان من قِبَل الإله، في الوحي وفي رؤى الأَحلام، وبكلِّ الوسائل التي اعتادت الإرادةُ الإلهيَّة أَخْذَها لتُبلغَ أَوامرها إلى الإنسان. وتلك أَقوالُ صدقٍ، يا رجال أَثينا، لا أَسهل من إثباتها."
    وفي معرض شُكره للقُضاة الذين حَكموا ببراءَته في البداية، يشيرُ سقراط من جديد إلى ذلك الصوت الإلهيّ الذي كان يُرشدُه، ويَعرضُ أَمامهم مفهومه الفلسفيّ الرائع للموت والحياة الأُخرى والخلود والعوالم بالقول: "لقد وقع لي أَمرٌ يقضي بالعجب. فذلك النداءُ السرِّيّ، صوتُ الأُلوهة، الذي ما زالَ يَهجسُ في خاطري كلَّ ساعة، ويَزجرُني غالبًا في سفاسف الأُمور متى اعتزمتُ مُنكَرًا، الآن وقد دهمَني ما ترَون، وما يُظنُّ ويُعتقدُ أَدهى المصائب، لم يَعترضْني هذا الصوتُ الإلهيُّ حينما تركتُ مسكَني في الصباح، ولا في صعودي إلى هذه المحكمة، ولا في موضعٍ من دفاعي عندما كنتُ أَهمُّ بقول شيء؛ وقد كان يقاطعُني مرارًا أَثناءَ أَحاديثَ أُخرى... ذلك أَنَّ ما حدث يُرجَّحُ لي فيه الخير، وإنَّا لَنُخطئُ عندما نظنُّ الموت شرًّا. إنَّ لي في ذلك دليلاً بيِّنًا، فلا أَحسبُ الصوتَ المؤَالف إلاَّ كان عارضَني، لو كنتُ مُقدِمًا على غير الخير. هنالك ما يُكبرُ الرجاءَ بأَنَّ الموتَ خير. إنَّ الموتَ واحدُ اثنين: فإمَّا أَنَّ المائتَ يصيرُ إلى عدم؛ وإمَّا أَنَّه، على ما يُقال، تغيُّرٌ يطرأُ على النفس وينتقلُ بها من هذا العالَم إلى عالَمٍ آخر. فإنْ صحَّ أَنَّه فقدانُ كلِّ الشعور، وأَنَّه رِقدةٌ لا يرى فيها النائمُ حُلمًا، فلا نزاعَ أَنَّ الموتَ ربحٌ عظيم. وأَمَّا إنْ كان الموتُ عبورًا من ههُنا إلى دارٍ أُخرى حيث يستقرُّ الأَموات جميعًا، كما يُقال، فأَيُّ خيرٍ يُمكنُه أَن يكون أَعظم منه، أَيُّها الرجالُ القُضاة؟ فلا أَشهى إليَّ من أَحاديث هاتيك الديار يومَ أَلتقي بالأَقدمين الذين قضَوا ضحيَّة حُكمٍ جائر. ولسوف تتوافرُ بهجتي حين أَقيسُ آلامي بآلامهم، وأَعظَم غبطتي ستكونُ في مُساءَلة ومُباحثة سُكَّان تلك الديار. فهم أَوفرُ سعادةً من سُكَّان عالَمنا. وإنْ صحَّ ما قيل، فإنَّهم خالدون مدى الأَزمان. لقد اتَّضحَ أَنَّه خيرٌ لي أَن أَموتَ وأَتنصَّلَ من هموم الحياة. لذلك لم يَصُدَّني الوحيُ بتَّةً. فلقد دنَت ساعةُ الرحيل؛ أَمَّا أَنا فإلى الموت، وأَمَّا أَنتم فإلى الحياة: فحظُّ أَيِّنا أَفضل؟ لا أَحد يَعلمُ إلاَّ اللَّه!"
    تميَّز سقراط عن جميع أَقرانه من الفلاسفة بنشاطه الترسُّليّ الذي كانت تُتوِّجُه سيرتُه المثاليَّةُ العطِرة، وبفلسفته الداعية إلى الفضيلة. ولقد أَعطى، بسيرته وفلسفته، أُمثولة العظَمة، لا لشعبه فحسب، بل للإنسانيَّة كلِّها! أُمثولةٌ جاوزَت حدود وطنه الذي ظلمَه إلى رحاب الأَوطان كلِّها، وتردَّدَت على مسامع الأُمم والشعوب كافَّة. ولسوف تبقى كذاك ما بقيَت الحياةُ في الأَرض، وما دامَت مواكبُ الأَجيال البشريَّة تتعاقبُ عليها! كان مثالاً في التأَمُّل بالحقائق الخالدة ونَشْرها، لكنَّ أَجمل ما فيه تقيُّده بالأَوامر والنواهي الإلهيَّة، حتَّى وهو في مواجهة الموت المُحتَّم! وكان صادقًا مِقدامًا، لا يهابُ الشرّ، ولا يرتعدُ فَرَقًا أَمام الموت! وقد بذلَ حياته في النهاية، دفاعًا عن فلسفته، وشوقًا لبلوغ العالَم الآخر! فما أَجلَّ روحه المُتواضعة وقد تعانقَت فيها القيَمُ الرفيعة! وما أَنبلَ وجهه وقد علَتْهُ مسحةٌ إنسانيَّةٌ لا تُمحى! وما أَكثر أَوجُه الشبه بينه وبين الناصريِّ العظيم، في إيمانه ومحبَّته، وفي تواضعه وزُهده، وفي كلماته وخطبه، وفي سعيه المحموم لنشر مبادئه، وفي مواقفه البطوليَّة وثورته، وفي تعاليه على الموت في حضرة ظُلاَّمه! لَكأَنَّه في نُورانيَّته الغريبة قبَسٌ من روح السيِّد المسيح السابحة في السماوات الرفيعة، وجُذوةٌ من شمسه الروحيَّة الخالدة سبقَت مجيئه إلى الأَرض! 
    أَطلق الشاعرُ البريطانيّ شِيلي (1792-1822) على سُقراط لقب "مسيح اليونان"، واعتبر أَكليمندس الإسكندريّ (١٥٠-٢١٥م) "محاورات سقراط" بأَنَّها "توطئة النصرانيَّة، وديباجة إنجيل يسوع المسيح"! وقال فيه الأَديب إيزيدور أَبو حنَّا، مُترجمُ كتاب "دفاع سقراط" من اليونانيَّة إلى العربيَّة بلغته الجميلة: "ما أَشبه وقفة سُقراط أَمام القُضاة بوقفة السيِّد المسيح أَمام بيلاطُس ليُحاسَبَ على برِّه وإحسانه إلى بني وطنه!" كما جاد خاطرُ الشاعر الإنجليزيّ فريدريك وليام فابر (1814-1863) بكلمةٍ مُبدعة فيه، إذ قال: "لا أَجملَ من نهاية شهيد أَثينا إلاَّ نهاية شهيد أُورشليم!"
    "أَن تكون فيلسوفًا"، يقولُ سقراط، "لا يستدعي أَن تعرف الكثير من الأَشياء، بل أَن تكون زاهدًا!" ولذلك اعتبره الفيلسوفُ الأَلمانيّ هيغل (١٧٧٠-١٨٣١) "بطلاً من أَبطال الإنسانيَّة، وفيلسوفًا حقيقيًّا، لأَنَّه عاش فلسفته بدلاً من أَن يكتبها."
    إنَّ سقراط العظيم وأَمثاله لا يموتون! فهم، كما الأَنبياءُ والرسُل، أَحياءٌ خالدون على مرِّ العصور والدهور! 


    *كاتب لبنانيّ مقيم في كندا  
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media