الحرب الروسية الاوكرانية من منظور أوسع -1
    الأربعاء 18 يناير / كانون الثاني 2023 - 07:12
    د. لبيب سلطان
    أستاذ جامعي/ كاليفورنيا
    حول الممهدات وسوء الأخراج
    سيحل قريبا مرور العام الاول على الحرب التي شنتها روسيا على اوكرانيا يوم 24 فبراير عام 2022 ،وهي وكما نعلم ،أول حرب تقع بين دولتين مستقلتين في اوربا منذ الحرب العالمية الثانية ، ومن هنا تأتي اهمية تحليلها لمعرفة ابعادها وافاقها المستقبلية سواء على العالم أو المنطقة العربية، خصوصا وانه لو سألت اي سياسي او مؤرخ او حتى أي انسان عادي، سواء في روسيا أو أوكرانيا ، كما في اوربا او خارجها ، عن امكانية حدوث حربا اخرى في اوربا ، سيجيبك بشبه الاستحالة ، ومع هذا فهي وقعت.

    لقد حصلت غزوات عسكرية في اوربا بعد الحرب الثانية، كالغزوة السوفياتية للمجر عام 1956 ومثلها عام 1968 لجيكوسلوفاكيا ولكنها لم تكن حروبا معها، بل تم ارسال وحدات عسكرية مهمتها دعم ديمومة نظم حليفة وموالية للسوفيت امام حركات اصلاحية متمردة نشأت من نفس الاحزاب الشيوعية الحاكمة فيها، وعليه امكن اعتبارها أشبه بتمرد داخلي من قادة اصلاحيين في دول واحزاب ونظم متآخية ومتحالفة تشترك بنفس العقيدة ، وتم اخماد هذه الحركات الأصلاحية حتى دون مواجهات عسكرية، فهي اشبه بحملات تأديبية لمن شق عصا الطاعة واجتهد اكثر مما مسموح به داخل العائلة الواحدة. بالنسبة للغرب اعتبرت تلك الحملات ممارسة ديكتاتورية قمعية ضد حركات شعوب تطالب بالاصلاح والمزيد من الحريات ، وانتهى الامر بالادانة لهذه الحملات . بنفس الوقت قام السوفيت بالاحتفال بالنجاح في درء مؤامرة غربية اخرى للتدخل في الشؤون الداخلية للدول والشعوب الاشتراكية الصديقة لقلب أنظمتها ، وانتهت الامور خلال اسابيع من تبادل الاتهامات، وبعدها رجعت المياه لمجاريها واوربا لحياتها السلمية تحت ظل حربا كلامية واعلامية وايديولوجية سميت الحرب الباردة.

    جاء الغزو الروسي لأوكرانيا بحرب حقيقية ساخنة وكانت مفاجئة للجميع في العالم، حتى للروس والأوكران أنفسهم. كان السيد لافروف نفسه قد نفى اي احتمال لقوعها حتى بثلاثة أيام قبل الغزو، وتضامن معه رئيس اوكرانيا نفسه ، زيلينسكي، حيث كلاهما اتهم ماأدعته مخابرات اميركا حول الغزو بانها هرطقة فارغة تثير هستيريا وهلع غير مبرر لدى السكان، فلا غزو سيقع،بل هو خيال وتحريض ضد روسيا، كما قال لافروف وقتها. ربما انها الجهالة السياسية لزيلينسكي وقلة خبرته السياسية ، كما يتهمونه، ولكنه ، كما يبدو ،انطلق من منطق العقل والقانون السائد في العالم ومن خلال الامم المتحدة والمواثيق الدولية الذي يفرض ويلزم احترام سيادة الدول. اما في اوربا ،حيث اعتبرت استحالة وقوع حرب بين دولتين مستقلتين ، واحدة من حقائق وواقع العالم الثابتة والراسخة بعد الحرب الثانية.

    ان الضربة المفاحئة لبوتين اعتبرها البعض من مؤيديها ضربة معلم فاجأت الجميع ، بينما شبهها اخرون ، خصوصا في الغرب ، بأنه أسلوب زعماء المافيات، يطمئن الضحية قبل الانقضاض عليها. ويبدو ان الاخيرة هي اقرب للواقع ، بما فيها تصريحات لافروف، وتبين الامر اكثر عندماعرضت اجهزة الاعلام الروسية، بعدها بيومين ، الاجتماع الذي عقده بوتين مع قادة اجهزته المختلفة لأتخاذ قرار بالاعتراف بالجمهوريتين (الشعبيتين) الانفصالية في لوهانسك دونيتسك في شرق اوكرانيا ،و تم اقراره في مجلس الدوما في نفس اليوم وحصل الغزو فجر اليوم التالي. كان واضحا من الاجتماع انه حتى رئيس مخابراته الفيدرالية كان مرتبكا ، ومنه فالامر يبدو انه كان لدى بوتين مبيتا ، وقرر كما يبدو ، قد قرر طبخه على عجل، والا كيف يتم فهم تصريحات لافروف وارتباك رئيس مخابراته. ولليوم لا احد يعرف لماذا كان بوتين في عجالة من امره بشن الحرب. ولكن يبدو ان خبرة بوتين المخابراتية ادلته ان الامر سينكشف وتفوت عليه عنصر المباغتة في العملية المحدودة التي خطط لها منذ زمن مع اقرب مستشاريه العسكريين. انها مجرد ارسال دبابات سريعة من حدود بيلاروسيا ،تجاه كييف، القريبة منها وغير المحصنة ، تزامنها وحدات مظلية خاصة تحتل مباني الرئاسة في كييف ، تؤسر زيلينسكي ويتم تنصيب قيادة موالية ، ربما بارجاع الرئيس الشرعي الهارب يانيكوفيج ، او تنصيب قادة عسكريين اوكرانيين موالين كقادة انقلابيين، كما صرح بوتين يومها بنفسه انه مستعد للتفاوض معهم ، لينتهي الامر في ثلاثة ايام فقط. ، انه اعادة اخراج لما حصل في براغ عام 1968 ، عندما اسر السوفيت الاصلاحي دوبتشك من دار الرئاسة، كما يتذكره ويعرفه بوتين جيدا، وهو ما فتح شهيته لأعادة نفس السيناريو في كييف.

    والمهم هنا هو ليس معرفة سبب فشل هذه الخطة، بقدر مالذي دفع بوتين للاعتقاد بجدواها . من شبه المؤكد انه لايؤمن ان للشعوب دورا باختيار من يحكمهم ، بل ان يكون حاكما قويا يمثل مصالح دولتهم يخضعون له، وتجربته في روسيا خلال عشرين عاما تدل على ذلك. و ربما أعتبر، وهو محق، خصوصا بعد نجاحه باسترجاع القرم لروسيا ، ان العالم سيخضع للامر الواقع ويقبل بالمفاوضات مع القادة الأوكرانيين الجدد الذين سينصبهم ، فهو شأن داخلي لشعبين متآخيين ولاعلاقة للغرباء بالشؤون العائلية، كما يرى ، وكونه يعرف ايضا ان لا احد ينوي الدخول في خصام عائلي، الكل مشغول بقضاياه ، وحياة السلم هنيئة، ويمكن ارسال ماكرون للتاثير على بوتين ان يحسن معاملة عائلته ويحل قضاياه معها ديمقراطيا.
    وربما كان سيناريو الفشل لخطة الايام الثلاثة قد فكر فيه بوتين، ولكن الكثيرين، ومنهم انا، لايميلون لذلك ، مشيرين ان للرئيس بوتين اهدافا ابعد وأهم وهي ارجاع المجد القومي الامبراطوري الروسي ، ومنه حتى لو فشلت خطة الايام الثلاثة ، فانه مستعد لخوض حربا حقيقية يستعيد بها مجد روسيا وحقوقها المسلوبة، كما يظن، وهذا ما سيدخلنا في صلب الموضوع حول جوهر هذه الحرب والأهداف الدولية التي أراد الرئيس بوتين فرضها وتحقيقها منها .و يبدو انه اعتقد انه في كل الاحوال سيكون رابحا ، حتى لو فشلت خطة الايام الثلاثة. فلتكن إذا" حتى حربا حقيقية، فهي تستحق خوضها كي يبدأ طريقا تستعيد به روسيا عظمتها ، فهي خيرا من سلم ، احس انه مخدوعا أومغدورا به، وربما هناك سببا اخر انه أحس نفسه مهانا شخصيا فيه. السببين الاولين يعودان لجيل بوتين نفسه ، الجيل السوفيتي، الذي كان يعتبر تضحيات الاتحاد السوفياتي في الحرب على النازية لتحرير اوربا (قدم السوفيت 11 مليون جندي وتحملوا تدمير قرابة 90 بالمئة من طاقات هتلر العسكرية ، بينما بريطانيا وامريكا ،التي انتجت مئات الافلام الهوليودية التي تصور انتصارهم على هتلر ، تكبد كل منهما قرابة 400 الف جندي فقط) . لقد كوفئ الاتحاد السوفياتي بعد الحرب بتتويجه قطبا دوليا ودولة عظمى وواقعا امبراطورية تمتد لنصف اوربا وذات وزن ومصالح دولية لابد لحساب رأيها ومصالحها في اية بقعة او اي معادلة اوربية او دولية وفي اي مكان في العالم.

    ان بوتين وجيله والمقربين حوله من القوميين الروس يعتقدون ان الغرب بانهيار الاتحاد السوفياتي لايحق له مصادرة هذا الحق ويجب العمل على ارجاع عظمة ونفوذ روسيا ، وليس دعوتها قوة اقليمية ، كما صرح يومها الرئيس اوباما عام 2015، واعتبرها بوتين بمثابة إهانة لروسيا، ولكن حتى قبلها كان هناك ما هو اسوء منها، عندما اعتبر ان تغيير النظام في كييف عام 2014 كان مؤامرة غربية مدبرة تحت غطاء الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات لتدبير انضمام اوكرانيا للاتحاد الاوربي (الكاثوليكي) وفصلها عن روسيا (ألأرثوذكسية) ، والمسالة هنا هي ليست دينية تماما (كما وضعتها بين قوسين كمحاولة ربما لقراءة افكاره القابعة في اللاوعي الفرويدوي) ، فالمسألة ليست دينية ، بقدر ماهي قومية ولها علاقة بالبعد القومي الذي يفكر فيه بوتين لارجاع عظمة روسيا الامبراطورية ، أي اخر نقطة التي كانت عليها روسيا قبل تغيير نظامها على يد البلاشفة، والى هذه النقطة يجب ان ترجع روسيا وفق حقوقها التي لايعترف بها الغرب الجاحد الذي تنصل عن وعوده لغورباتشوف، كما يعتقد بوتين والعديد من أركانه. فالمسالة الاوكرانية هي ليست شعبا انتفض ويريد الانضمام للحضارة الاوربية ويرفض نظاما مواليا يفرضه عليه بوتين ، بل مؤامرة مدبرة لمنع عودة روسيا لعظمتها ، واعتبرتغيير نظامها عام 2014 مؤامرة مدبرة و اهانة مباشرة وصميمية له ولروسيا، وذلك ايضا وفق اية محاولة لقراءة مايدور في رأس الرئيس بوتين، ولذلك اهمية خاصة هنا، كونه صاحب القرار الاول والاخير في روسيا سواء في مسائل الحرب والسلم ،كما في غيرها. وغالبا ما يكون قراءة شكل وقرارات الدول من قراءة شخصيات القادة في النظم ذات المشروع القومي التوسعي والطموح ،والتي يترأسها شخصية قوية ذات كاريزما مثل الرئيس بوتين، هي خير وسيلة لمعرفة شكل ومحتوى توجهاتها ، فهو مثل صدام او هتلر، و اردوغان او اية الله ، حيي قراراتهم وسياساتهم ورؤاهم ملزمة على دولهم ، ولايجرؤ احد على الاعتراض ، ومنها قرارات الحرب والسلم بلاشك .

    اردت مما تقدم ان اصل للجذور القومية الكامنة لهذه الحرب الغريبة بكل المعايير في عصرنا الحالي ،حيث اعتقد الجميع ،ومع بداية القرن وانتهاء الحرب الباردة ،ان الدول ستتفرغ بعدها للتنمية الاقتصادية، وتطوير النظم الديمقراطية، وتقليص التسليح، ومنها تحسين ظروف الحياة في العالم . وفعلا تمت انجازات كبيرة خلال العشرين سنة الاخيرة ، حتى بلوغ هذه الحرب، التي يمكن اعتبارها كواحدة من اخطر الحروب لسببين، اولها لصعوبة ايجاد حل لها ، ولخطر توسعها لتكون حربا بين كتلتين دوليتين كبيرتين ،احداها تمثل المصالح والافكار القومية، والاخرى الكتلة الليبرالية (تماما كما كان شكل التكتل قبل مئة عام عند صعود البومية ومنه تم جر العالم للحرب الثانية). انها ليست فقط حربا صعبة الحل وايجاد مخرج منها، بل تشكل انتكاسة كبيرة للشعبين الروسي والاوكراني، ويمكن توسعها لتمتد للعالم اجمعه، بما فيها منطقتنا العربية ، كما سيتم تناوله في الجزء القادم .
    © 2005 - 2023 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media