المعاني المتغيّرة للحرب العراقيّة - الإيرانيّة (1980 - 1988) (1 من 3)
    الخميس 2 نوفمبر / تشرين الثاني 2023 - 16:12
    د. عقيل عباس
    أستاذ جامعي
    لا تزال الحرب العراقية - الإيرانية موضوعاً حساساً في عراق ما بعد 2003 لجهة تحديد معناها في التأريخ الحديث للعراق كبلد، وكيفية تعاطي النظام السياسي الحالي معها، فضلاً عن موقعها الغامض بإزاء الوطنية العراقية. باستثناء الاستخدام الدعائي لبعض معارضي الطبقة السياسية الحاكمة الحالية لهذه الحرب للتعريض بهذه الطبقة التي وقفت معظم أحزابها مع إيران ضد الدولة التي تديرها هذه الأحزاب الآن، لا ترد هذه الحرب كموضوع نقاش في السياق العراقي العام. تساهم الأزمات المتواصلة التي يعيشها البلد، بالانشغال الذي تسببه بما هو آني ومباشر، في عدم خوض مثل هذا النقاش، ففي العرف العراقي الذي شكلته الاضطرارات، تبدو مصائب الأمس قديمة وغير جديرة بالتأمل فيها، مقارنة بالمصائب الحالية.

    يمثل الشهر الحالي، أيلول (سبتمبر) الذي اندلعت الحرب فيه عام 1980، مناسبةً معتادة لاستذكار آخر لها، لكنه استذكار سريع وعاطفي عادةً، يخلو غالباً من الدقة التاريخية، ويعتمد على التذكر الشخصي أو نقل التجارب الفردية للذين عاشوا تلك الحرب. يعود معظم افتقار الدقة لطبيعة النظام الحاكم في العراق وعلاقته الإشكالية بالمعرفة ورغبته في السيطرة عليها وتجييرها وعقاب الساعين إلى معرفة مخالفة للنص الرسمي أو مشككة بهذا النص.
     
    يختلف النصان الرسميان، العراقي والإيراني، في تحديد موعد بدء هذه الحرب. في العراق البعثي الذي تزعّمه صدام حسين، اعتبر الرابع من أيلول موعداً لبدء الحرب على أساس قيام المدفعية الإيرانية بقصف خانقين، المنطقة الحدودية العراقية المتاخمة لإيران، لتتصاعد التجاوزات الإيرانية، حسب الرواية العراقية (المزيد من القصف المدفعي، وخرق المجال الجوي العراقي) وصولاً إلى يوم 22 أيلول عندما قرر العراق الرد واجتياح الأراضي الإيرانية. تعتبر إيران هذا اليوم البداية الحقيقية والرسمية للحرب، عندما شنت الطائرات العراقية هجمات على نحو عشر قواعد جوية إيرانية، صاحبها هجوم بري عراقي لاحتلال أراض إيرانية.
     
    اعتُبر هذا اليوم على نحو واسع البدء الحقيقي لهذه الحرب بالمعنى القانوني للكلمة، لأنه تضمن عبور الحدود الدولية عبر عملية اجتياح عسكري لا لبس فيه. في اليوم الثاني للاجتياح العراقي، 23 أيلول، بدأت الأمم المتحدة مداولاتها بخصوص هذا الاجتياح ليُصدر مجلس الأمن الدولي في 28 أيلول، أي بعد ستة أيام، القرار 479 الذي دعا البلدين إلى إيقاف فوري للعمليات العسكرية والبدء بالتفاوض لحل المشكلات العالقة بينهما عبر وساطة الأمم المتحدة. اعتُبر القرار محابياً للعراق الذي وافق عليه بسرعة، وأثار انزعاجاً إيرانياً، إذ لم يدعُ القرارُ العراق إلى الانسحاب من الأراضي الإيرانية والعودة إلى الحدود الدولية قبل التفاوض، وهو ما كانت تطالب به إيران وتصر عليه حتى صيف 1982، عندما تبدل الموقف الإيراني وأضاف مطالب جديدة.
     
    بعد أقل من عامين من القتال المتقطع الذي كانت أشهره الأولى لمصلحة العراق عسكرياً قبل أن يُنظّم الإيرانيون أنفسهم ويأخذوا المبادرة في إطار زخم عسكري متصاعد، وجد العراق نفسه مضطراً للانسحاب من الأراضي الإيرانية إلى العراقية في حزيران (يونيو) 1982. كان ينبغي أن يقود هذا إلى بدء مفاوضات لإنهاء الحرب بعدما تحقق الشرط الإيراني الأساسي، لكن إيران شنت هجوماً في الشهر التالي، تموز (يوليو)، للسيطرة على مدينة البصرة ونجح العراق في صده بعد أسابيع من القتال الشرس. في الشهر نفسه أصدر مجلس الأمن الدولي قراره الرقم 514، الذي دعا إلى انسحاب الطرفين إلى الحدود الدولية المعترف بها والتفاوض لحل الخلافات بينهما.
     
    على مدى السنوات الست التالية (1982 و 1988)، حوّلَت إيران الحرب التي أطلقت عليها "الدفاع المقدس" ولها هدف محدد إلى حرب مفتوحة تجاوزت الدفاع وانتقلت إلى الهجوم ومحاولة اجتياح بلد آخر، مروراً بالمطالبة بتغيير الحكم في العراق وانتهاءً بربط العراق بصراع أوسع ومفتوح في المنطقة أرادت إيران أن تقوده ضد إسرائيل. في ظل هذا الفهم الأيديولوجي للصراع الذي مثلته مقولة مشهورة لزعيم الثورة الإسلامية الإيرانية، آية الله الخميني، أطلقها قبل اندلاع الحرب في سياق مختلف وشاعت كثيراً وقتها، "طريقنا إلى القدس يمر بكربلاء"، أصبحت الحرب مشروعاً ثورياً تراجعت أمام حماسته العالية والمتدفقة باختلاط التاريخ والدين والسياسة فيها مفاهيمُ القانون والسيادة.
     
    عراقياً، فشلت "قادسية صدام"، التسمية الرسمية للحرب، باستخدامها القومي للدين، في إثارة حماسة شعبية عراقية عالية للحرب كنظيرتها الإيرانية. كانت تلك السنوات هي الأقسى في الحرب وأكثرها تكلفةً إنسانية في ظل التصاعد المطّرد للقدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً مع بروز الحرس الثوري كقوة قتالية متماسكة ومؤمنة أيديولوجياً. تغيرت خريطة الأشياء وتغيرت المواقع: إيران واثقة ومهاجمة والعراق مدافع ومتلهف لإنهاء الحرب. لعب الانضباط العسكري العراقي المستند إلى نظام شمولي صارم دوره في صد الهجمات الإيرانية المتتابعة على امتداد خط الحدود الطويل البالغ أكثر من 1400 كيلومتر. في العامين الأخيرين من الحرب، بدءاً بالاحتلال الإيراني لشبه جزيرة الفاو أقصى جنوب البصرة بعد هجوم سريع في شباط 1986، حققت إيران نجاحات عسكرية لافتة لكنها غير حاسمة، إذ استطاعت خرق الدفاعات العراقية في جبهات عدة والسيطرة على مناطق حدودية غير مأهولة، لكنها لم تستطع الوصول إلى أي مدينة عراقية رئيسية واحتلالها.
     
    مع اتساع الحرب وتصاعد دمويتها وخطورتها، أصدر مجلس الأمن الدولي في تموز 1987 القرار 598 الذي طالب بإيقاف القتال وعودة القوات العسكرية للدولتين إلى الحدود الدولية، والتفاوض بين الطرفين وتبادل الأسرى. رفضت إيران، التي بدت على وشك تحقيق الانتصار العسكري النهائي حينها، القرارَ، فيما وافق عليه العراق فوراً. في الأشهر الأخيرة من الحرب، في ربيع 1988، حقق العراق انتصارات عسكرية سريعة على جبهات عدة، على الأكثر بسبب مساعدة استخبارية أميركية، فيما بدأت القوات الإيرانية تتراجع على نحو متواصل. في تموز 1988، أي بعد عام على صدور القرار الدولي، أعلنت إيران موافقتها على تطبيقه، ليُصار إلى وقف إطلاق نار رسمي بين البلدين في 8 آب 1988، بعد ثلاثة أسابيع من موافقة إيران على القرار 598.
     
    لم يحقق الطرفان أهدافهما المعلنة ولا غير المعلنة من الحرب. في حقيقتها السياسية والإنسانية، لم تكن هذه الحرب إلا عبثاً دموياً طويلاً تشاركت فيه قرارات حمقاء وحسابات خاطئة وحماسات أيديولوجية لا يزال الكثير من المسؤولين عنها والمشاركين فيها، فضلاً عن المدافعين عنها، يرفضون مراجعتها والتعلم منها.

    "النهار العربي"
    © 2005 - 2024 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media