قالَ ألشاعر ألمغفور له أحمد شوقي صادقاً: و إنما الأمم الأخلاقُ ما بَقِيَتْ ..... فإن هم ذهبتْ أخلاقهم ذهبوا.
كُنّا في صغرنا في مرحلة ألدراسة ألإبتدائية، في العهد ألملكي، خير ألعهود من ناحية قلة، أو ندرة ألفساد، و ألتعليم ألراقي في كل مراحل الدراسة، ليس للعلوم و الآداب فقط، بل تربية ألإنسان ليكونَ خلوقاً مؤدباً مبدعاً منتجاً، و وطنيَاً غيوراً.
كانت في ذلكَ ألوقتْ تربيتان رائعتان، في البيت من قبَلِ ألأبوين ألذَيْن كانت لهما قُدسية تنتقِل إلى ألأعمام و ألخوال، و ألعمّات و ألخالات، و كُنّا نقبل أيديهم حين يزورونا، أو نزورهم. كما كانت للإخوة و ألأخوات ألأكبر سنّاً مهابةً وإحتراما خصوصاً إذا كان ألفرق في العمر عدة سنوات. ليس ذلك فقط، بل علَّمونا إحترام كبار ألسن ألغرباء و ألذين في مرحلة ألشيخوخة و مساعدتهم إنْ إحتاجوا ذلك بغض ألنظر عن كونهم من الأقارب أو ألأغراب.
و ألتربية ألثانية في المدرسة، في دروس ألتربية ألوطنية و ألأخلاقية، و تشمل حب الوطن و الإخلاص له و ألتضحية بالروح و الغالي و ألنفيس في سبيله، و حسن السلوك ومساعدة كبار ألسن و فاقدي البصر، وإزالة كل ما يسبب ألأذى في الشوارع كقطع الطابوق، و ألزجاج و ألقناني و كل ما قد يسبب ألأذى للمارة أو ألسيارات أو ألدراجات. وعلّمونا أن لا نبصق في الأرض، بل في منديلين من ألقماش في جيوبنا يتمُّ ألتأكُّد من وجودها من قبل ألمعلمين أو مدير ألمدرسة في إصطفاف كل الطلاب قبل الدروس، كما يتمُّ ألتأكد من نظافتنا و تقليم أظافرنا ونظافة ملابسنا و صُبغ أحذيتنا و يتم تسجيل ألملاحظات في سجل ألمدرسة، و تكريم أنظف ألطلاب في كلِّ صف بتسجيل إسمه في سجل خاص، و تضاف ألملاحظات في شهادات نتائج ألإمتحانات. و كانت أناشيدنا ألوطنية، كنشيد:
مَوطني موطني الجلالُ والجمال.....والسَّنـاءُ والبهـاءُ في رُبـاك
والحيــــــاةُ والنّجـــــــاةُ والهـناءُ والرّجاءُ في هـواك
هل أراك، هل أراك سالماً مُنعّـماً وغانماً مُكرّماً ... إلخ
ألتي كنّا ننشدها في ساحة ألمدرسة ألإبتدائية قبل بدءْ ألدروسِ، كأنها أناشيد كتيبة من ألجنود ألجيِّدي ألتدريب إضافةً إلى ألقصائد ألشعرية ألمميزة للشعراء جميل صدقي ألزهاوي و معروف الرصافي، و أحمد ألصافي النجفي، و صفي الدين ألحلي، و محمد مهدي الجواهري و أحمد شوقي و حافظ إبراهيم، و غيرهم ألتي تُلْقى من قبل طلاب مختارين في ألساحة، وزرع ذلك فينا حبَّ ألوطن و ألتضحية في سبيله وحب ألشعر و ألأدب.
وكما كانت هالة من ألقُدسية تحيط بالوالدين، كان لِمُعَلّمينا قدسية مماثلة، و كنّا نقف إحتراماً و نحيّي معلمينا حين نراهم في ألشوارع أو ألأسواق، وكان بيت ألشعر للمرحوم أحمد شوقي: قُمْ للمعلم وفّه ألتبجيلا.... كاد ألمعلمُ أنْ يكونَ رسولا مما بثَّ فينا (إضافةً إلى تربيتنا ألمنزلية) ألنظر إلى ألمعلم بمحبة و إحترام و قدسية.
و مرَّتْ أزمنةٌ إنقلابات و أحداثٌ و أحزاب شؤم تخريبية مخربة هدَّمت قيم ألشعب ألأصيلة، و إستبدلتها بقيم و أخلاق حزبية ساقطة، فصار ألطالب ألبعثي مثلاً يخيفُ معلمه بتقاريره ألحزبية ألتي قد تودي بحياته بعد تعذيب همجي في زمن ألمقبور صدام، وحلَّت قيم عبادة ألفرد بعد قدسية ألوطن ألني كان شعارها: ألله ألشعب ألوطن، هذا ألثلاثي ألمقَدَّس ألذي لا زال يؤثّرُ بِيَ و أنا في شيخوختي. و بسبب سياسة عبادة ألفرد و ألحزب ألذي لم يكن إلا (شمّاعة) إتخذها ألمقبور صدام (و هو ذو سوابق إجرامية) ألذي صار ألحاكم ألفعلي للعراق في الثلاثين من عمره أو أكثر قليلاً لترويض ألمجتمع ألذي أصبح بلا حولٍ و لا قوة، فإمّا ألخضوع لحكم صدام، أو ألموت أو ألهجرة. و شتّان بينه و بين رؤساء وزراء العراق في العهد الملكي الخبراء و ألأذكياء و من بينهم ألمغفور له ألدكتور محمد فاضل ألجمالي (دكتوراه من جامعة أميركية رصينة) إلذي كان يعيش في تونس منذ إطلاق سراحه من ألسجن بواسطة ألمغفور له ملك ألمغرب محمد ألخامس مع عبدالكريم قاسم سنة 1961، و إستقر به ألوضع في تونس بإلحاح من صديقه رئيس جمهورية تونس المرحوم ألحبيب بو رقيبة، و زرته عدة مرات إبتداءً من سنة 1990 حتى 1993 و هو بين عمر ألتسعين و 93 عاماً، وكان لا زال بصحة جيدة و يمشي ساعة يومياً، و مما أتذكره من خبرته في الحياة بعد هذا ألعمر ألطويل أنه قال: كانت أول 25 سنة من عمري أعتبرها طفولة، و ثاني 25 سنة شباب، و ألثالثة عقل، و ألرابعة لمن أمد ألله في عمره حكمة.
و نتيجة ألظلم و جرائم الأحزاب ألسياسية كالحزب الشيوعي و حزب البعث و مجازرهما و ألدكتاتورية ألعسكرية ألتي حكمت ألعراق من شهر تموز سنة 1958 حتى ألإحتلال ألأميركي سنة 2003، و بعد هذا التأريخ هاجرت عقولٌ و نوابغ كانت ألبلاد في أمسِّ ألحاجةِ إليها، و لم يبقَ بلدٌ في أصقاع ألأرض كافة لا تجد فيه عراقيين من إيران حتى أليابان شرقاً، و من سوريا و تركيا و أوروبا إلى ألولايات ألمتحدة غرباً، و ألدول الإسكندنافية و ألمملكة ألمتحدة شمالاً، و أستراليا و نيوزيلندة جنوباً. عراقيون هائمون مقلوعون من جذورهم، أجسادهم في بلد ألمهجر و قلوبهم و ذكريات طفولتهم و حاراتهم في كل مدن العراق و نهريه دجلة و ألفرات و إفتقدوا روائح ألأوراد ألعراقية ألمميزة، و قداح أشجار ألحمضيات في الربيع و ألسمك ألعراقي ألمزكوف. هذا ما فعله سقوط أخلاق ألحكام و سيطرة سقط المتاع و مجهول ألأب من عام 1968 حتّى ألإحتلال ألأمريكي سنة 2003 ألذي سبَّبَهُ ألمقبور صدّام نتيجة سياسته ألرعناء و بلطجيته. سوء تربيته و سقوط أخلاقه أسقطت وطناً كاملاً ورهنته و رهنت شعب ألعراق بحكم محتَلٍّ غادر، و قيود دولية ظالمة.
ألفرق بين حكم ألأنظمة ألدكتاتورية كما هي الحال في نظام ألبعث في العراق و بعث حكام سوريا على سبيل المثال هائلٌ يتجلّى في نسبة ألفقر بين ألسكان و مستوى معيشتهم ألمتدني، وإزدياد نسبة الفساد و الرشوة في مفاصل الدولة بدون إستثناء، و الأمية و البطالة و سوء الخدمات ألصحية و ألتخلف في مجال الصناعة و أساليب الري الحديثة و الزراعة و الخدمات الصحية مقارنةً بدول الخليج ألتي يحكمها ملوكٌ و شيوخٌ هم شيوخ قبائل موروثة مشيختهم منذ قرون عديدة. و ألشيوخ يربون أولادهم أحسن تربية ممكنة إنعكست على أساليب حكمهم و حكمتهم و بساطتهم أمام شعوبهم، فبنوا بسمو أخلاقهم دولاً غنية، و جعلوا شعوبهم تعيش في بحبوحة من العيش تتمثل بمعدل دخل الفرد، وقصورهم ومساكنهم الأخرى، و سياراتهم الفارهة و خدمهم المستوردين من بنكلادش و ألهند و باكستان و تايلاند و غيرها من ألدول الفقيرة، و جوازاتهم المحترمة في كافة دول العالم، و ليس كالجواز العراقي ألذي كان أفضل جواز في الشرق ألأوسط في ألعهد الملكي الذهبي، و تحوَّل إلى أسوأ جواز في العالم بعد أن سيطر على حكم البلاد سقط ألمتاع و أولاد أللصوص و قطاع ألطرق في العوجة و غيرها.
و هنالك بصيص أمل للعراق (إذا كان محظوظاً) و تمَّ ألسماح لأفضل رئيس وزراء عراقي منذ ألعهد ألملكي لحد الآن، و هو ألأخ محمد شياع ألسوداني، إذا سُمِحَ له ألإستمرار في الحكم إلى أجل غير مسمّى، فهو ألأمل ألمنشود لبناء عراق ألمؤسسات و التقدم و الإزدهار، و هو على خُلقٍ كريم كما تنبأت له بمقالة قبل إستيزاره بشهر أو أكثر، و قلتُ أنه أفضل مرشح لرئاسة الوزراء بسبب نزاهته و أصله ألطيِّب، فأسأل ألله أن يوفقه و يسدد خطاه، و الله ولي ألتوفيق.
طعمة عزيز ألرباحي ألسعدي/ لندن 03 03 2023