علي فالح الزيدي: ملك العراق غير المتوج
    علي فالح الزيدي: ملك العراق غير المتوج
    الثلاثاء 4 يونيو / حزيران 2024 - 17:11
    أ. د. طالب مراد
    أستاذ جامعي وخبير سابق في منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة
    حسين محمد الكوفي
     
    "الفصل الثالث من سلسلة اليوبيل المئوي لتأسيس الدولة العراقية"
    لم يكن علي فالح الزيدي شخصاً عادياً او سياسياً ذكياً او حاكماً قادراً فحسب، وانما كان ظاهرة عراقية باهرة، وشخصية سياسية فريدة من نوعها، تركت بصمتها على الدولة العراقية منذ تأسيسها حتى وقتنا الحاضر. وهذا القول يقر به محبوه وأعدائه، لأنه تحكم في تطورالأوضاع السياسية لمدة لا تقل عن أربعين عاماً بشكل مباشر، وحتى يومنا هذا بشكل غير مباشر. نحن هنا بصدد دراسة هذه الظاهرة، بحيادية قدر الأمكان للوقوف على اهم انجازاته وأبرز اخفاقاته منذ اشتراكه مع الأمير فيصل في الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، لحين قيام ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.
    من هو علي فالح الزيدي؟
    وُلد علي فالح حسن الزيدي، في بغداد قرب ساحة الميدان حالياً سنة 1888 وتوفي يوم 15 تموز 1958، وعرف لاحقاً بأسم "علي الزيدي". وبالتالي فإنه عاصر الدولة العثمانية، وإحتلال الأنكليز للعراق، وشارك في ثورة الشريف حسين في الحجاز، وساهم في تنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق، وعاصر الملك غازي، والملك فيصل الثاني، ويومين من العهد الجمهوري. إختلف المؤرخون حتى على اصله وفصله، فمنهم من يُرجع اصوله الى طوزخورماتو، ومنهم يُرجعها الى الموصل، وآخرين يؤكدون انه بغدادي الأصل. هناك من يقول انه كردي والآخر يقول تركماني، والبعض يؤكد انه عربي اصيل. وعلى الرغم من كل هذه الإختلافات، فإنه من المؤكد بغدادي المولد والنشأة والطباع، عراقيٌ قلباً وقالبا، وهذا هو المهم والعامل المؤثر على نهج حياته الشخصية والأجتماعية والعسكرية والسياسية(1) . حصل على رتبة ملازم عام 1906 وهو في عمر الثامنة عشر. يصفه لورنس العرب الذي خاض معه غمار تحرير دمشق بأنه يتحلى بشجاعة وثقة ورباطة جأش، وهذا ما جعله زعيماً مثالياً متميزاً. يتكلم نوري السعيد خمس لغات، هي العربية والتركية والأنكليزية والألمانية والفرنسية، ولم يكن يتكلم العربية بطلاقة.
     
    جدلية الولاءآت المعقدة:
    لقد أستطاع "الباشا" أن يوازن بين ثلاث ولاءات متناقضة ومتصارعة فيما بينها في معظم الأحيان، ألا وهي: أولها ولائه للعراق، وثانيها ولائه للعـائلة المالكة، وثالثها ولائه للتاج البريطاني.
    ولائه للعراق:
    الولاء الاول هو للعراق كشعب وارض ودولة، وقد تجلى ذلك في امرين عظمين قادهُما نوري السعيد بقدراته كسياسي محنك، اولهما هو انهاء الأنتداب البريطاني والحصول على الأستقلال ودخول العراق عصبة الأمم المتحدة عام 1932، وذلك كان اول قطر عربي يدخل عصبة الأمم. تحقق ذلك في عهد وزارة السعيد الثانية، ووزير خارجيته جعفر العسكري. كان ذلك من اهم أهداف وأمنيات الملك فيصل الأول. والأنجار الثاني الكبير هو حصوله على زيادة موارد العراق النفطية لتصل الى 50% من مجمل الموارد التي تحصل عليها الشركات النفطية، أسوةً بما حققته إيران في عهد دكتور مصدق. والأهم من ذلك هو تخصيص 70% من هذه الموارد، لميزانية استثمارية يديرها بأستقلالية "مجلس الأعمار" الذي انجز الكثير من مشاريع البنية التحتية التي كان العراق بأمس الحاجة اليها.
    ولائه للعائلة المالكة:
    ولائه للعائلة الهاشمية، وسعيه، وصهره جعفر العسكري لتنصيب فيصل ملكاً على العراق، أمراً مشهوداً ومؤرخاً له. ولم يكن هذا المسعى ليمرر بسهولة، ونحن نعلم ان هناك العديد من الشخصيات العراقية العريقة والمتنفذة والقادرة مادياً، راغبةً بذلك لنفسها، أمثال عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد، ورئيس الوزراء في حينها بتكليف من السير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني، وطالب النقيب الذي كان اشدهم طموحاً وعبد المحسن السعدون الذي له علاقات قوية مع الأنكليز. كذلك ياسين الهاشمي العسكري المتشدد الذي اراد ان يكون حاكماً لعراق جمهوري وليس ملكي، وغيرهم كثيرون. نعم السعيد والعسكري كانا عاملاً اساس في ترشيح وتتويج وتوطين فيصل الأول ملكاً على العراق الجديد، وبقيا على هذا النهج طيلة حياتهما.
    ولائه للتاج البريطاني:
    أما الولاء الثالث فهو الأكثر جدلاً بين السياسيين والمؤرخين، حيث يتهمه البعض بالعمالة والآخر بالتواطئ، وعلى احسن تقدير رعاية المصالح البريطانية في العراق. وهنا علينا التفكير، بمحدودية البدائل المتوفرة والممكنة التي كانت متاحة امام العائلة الهاشمية ونوري باشا، والتي ربما كان افضلها مسايرة الأنكليز والحصول منهم على الأستقلال بالمفاوضات، وزيادة الموارد النفطية بمباحثات مستمرة، وتقليل وجودهم العسكري تدريجياً، والحصول على العلوم والتكنولوجيا من خلال البعثات وبناء الجامعات، والأستفادة من الأمكانات الهندسية في بناء البنية التحتية والمشاريع العملاقة مثل السدود والخزانات المائية والقدرة على السيطرة على الفيضانات. نعم لقد انجزت المملكة تقدم رائد وسريع، لبناء العراق الجديد بمساعدة الأنكليز، ولم يكن ذلك سهلاً إطلاقاً. لذا كان للباشا دوراً بارعاً في هذا المجال وإن كان صعباً ومضنياً ومجهداً، إلا انه استطاع ان يحصل بالأقساط ما حقق تقدماً مستمراً للعراق.
    الباشا بعد رحيل فيصل والعسكري:
    لقد شارك وقاد الباشا الأحداث بشكل فعال بالأشتراك مع الملك فيصل الأول وصهره جعفر العسكري. إلا انه بعد وفاة فيصل الأول عام 1933 وإغتيال جعفر العسكري من قبل بكر صدقي عام 1936، اضحى الباشا وحيداً وفي موقف لا يُحسد عليه. إلا انه لم يتراجع عن مكانه وقرر ان يدير دفة المملكة بمفرده. وهذا ما حدث بالفعل، وبالتالي فإن الأنجازات والأخفاقات التي حصلت بعد عام 1936 هي بأمانة نوري باشا السعيد الذي اضحى "ملك العراق غير المتوج".
    إلا ان الباشا لم يكن ملاكاً أو قديساً ولا مُصلحاً إجتماعاً. حيث نشأ عسكرياً متمرساً، وضابطاً عثمانياً متعجرفاً، تعلم منها القيادة المتزمتة، التي لا تتقبل الحوار والنقاش من قبل الذين دونهم رتبة او منصبا. وهكذا كان ينظر نوري باشا لبقية السياسيين، او الأحزاب السياسية التي كانت ربما تحمل نفس طموحاته ولكن بطريقة مختلفة. فعلى سبيل المثال أُتهم السعيد بتدبير امر أغتيال توفيق الخالدي متصرف بغداد لأنه كان ناشطاً سياسيا ومنافساً يحمل افكاراً جمهورية. كذلك أنضم الى حزب منافسه الشخصي، عبد المحسن السعدون "حزب التقدم" لأنه يؤمن: " بأن تحطيم الحزب من الداخل أسهل من تحطيمه من الخارج" وكانت نظرته الأستعلائية على بقية السياسين واضحة المعالم في استخدامه اساليب تآمرية وبوليسية. وليس غريباً معرفة ان اول مسؤولية لنوري السعيد كانت مديراً عاماً للشرطة في العهد الملكي، اعقبها رئيساً لأركان الجيش عام 1922، ووزيراً للدفاع في وزارة عبد المحسن السعدون عام 1925 ورئيساً لرئاسة الوزارة عام 1930.
    ترأس نوري السعيد رئاسة 14 وزارة، كانت مدتها حوالي 12 عاماً، إلا انه كان الآمر الناهي والحاسم لكل الأمور سواء كان في الحكم او خارجه. لقد كان "ابو صباح" محترماً ومهيوباً، إلا انه لم يكن محبوباً من قبل اقرانه السياسيين، او احزاب المعارضة، او من قِبل عموم الشعب خاصة الطبقة المثقفة من طلبة الكليات والخريجين والناشطين سياسياً. لذلك كانت المظاهرات تهتف ضده وبسقوطه، وليس ضد الملك او العائلة الهاشمية. فعلى سبيل المثال حينما وُقعت معاهدة بورت سموث من قبل رئيس الوزراء صالح جبر ووزير خارجيته فاضل الجمالي عام 1948، لم يكن الباشا في الوزارة، ومع ذلك خرجت المظاهرات في وسط بغداد تهتف:
    "نوري السعيد القندرة وصالح جبر قيطانها"
    هذا إيحاء من ان هذا الأمر لم يكن ليكون لولا تخطيط من نوري السعيد وموافقته عليه، وإن كان خارج الحكومة في حينها. المهم ان نوري السعيد، لم يستطع ان يستوعب الشخصيات والقوى السياسية التي نشأت أبان وبعد الحرب العالمية الثانية. هذه القوى الشابة، لم تتأئر بالتراث العثماني، او التفكير المللي، أو إفتراضية ان هناك نوعين فقط من الناس: "أشراف" يقودون الأمة بما يرونه مناسباً، و"عامة" تتقبل ذلك ولا تتدخل ولا يحق لها حتى أن تتسائل، في هذه السياسة او تلك. نعم نشأ جيل جديد من طلبة وخريجي المعاهد والكليات، الذين تثقفوا ثقافة اوربية غربية وشرقية، بأتجاهات ليبرالية غربية من جهة، وميول يسارية إشتراكية من جهة أخرى. وبالتالي فإنهم يريدون ان يكون لهم صوت ودور في هذا المجتمع الذي مازال تحت البناء. ففي نهاية الثلاثينيات وخلال اربعينيات القرن العشرين، تأسست العديد من الجمعيات والأحزاب قسم منها علني، وقسم شبه علني، والأغلبية كانت سرية، كي لا تتعرض للبطش والأضطهاد. الأضطهاد الذي اضحى ان يكون من السمات الأساسية للسلطة السياسية بقيادة عبد الأله ونوري السعيد، تحت راية "محاربة الشيوعية". واستطاعت سلطة نوري السعيد ان تبطش بالشيوعيين الذين لم يرفعوا اي شعار ثوري يدعوا لأسقاط الدولة او الملكية، وانما كانت شعاراتهم الأساسية التحرر التام من الأستعمار البريطاني، والسيطرة الوطنية على الموارد النفطية، والدفاع عن حقوق العمال خاصة العاملين في الشركات المملوكة او التي تدار من غير العراقيين مثل عمال النفط والسكك والموانئ. وكانوا بالتأكيد مساندين للأنتفاضات الفلاحية المتكررة ضد الأقطاع الذي حمى نفسه بقانون العشائر الجائر(2).
    كذلك لم يستطع نوري السعيد قبول اوتقبل فكرة ظهور شخصيات على المسرح السياسي مؤثرة على الشارع البغدادي بشكل خاص وعموم العراق بشكل عام. أمثال تلك الشخصيات محمد مهدي كبة، صديق شنشل، كامل الجادرجي، محمد حديد، عبد الفتاح إبراهيم، عزيز شريف، عبد القادر اسماعيل البستاني وأخيه، حسين جميل، هديب الحاج حمود، ويوسف سلمان يوسف (فهد) وغيرهم كثيرون. ولم يتحمل او يتصور ان هؤلاء الشباب الناهضين وقيادتهم لتنظيمات تملك قدرة البقاء رغم القسوة الأمنية في التعامل، لأنها كانت تمثل صوتاً هادراً نابع من جذور المجتمع العراقي بكل طباقته. والجدير بالذكر ان هذه الأحزاب كانت بمجملها احزاب تمثل الروح الوطنية لكل اطياف الشعب العراقي، ولم تكن عنصرية او دينية او طائفية او مناطقية.
    إصلاحات توفيق السويدي:
    قام توفيق السويدي بالأصلاحات عام 1946 ومنها إلغاء الأحكام العرفية، ورفع الرقابة عن الصحافة، واطلاق سراح السجناء السياسيين وتشريع قانون جديد لتنظيم الحياة الحزبية وأجازت بموجبه خمسة احزاب هي حزب الأستقلال (محمد مهدي كبة)، وحزب الوطني الديمقراطي (كامل الجادرجي)، وحزب الأحرار (سعد صالح) وحزبين يساريين هما حزب الشعب بقيادة عزيز شريف وحزب الأتحاد الوطني بقيادة عبد الفتاح إبراهيم. لم يرق ذلك لنوري السعيد والوصي عبد الأله وغيره من المتزمتين، حيث عملوا على اسقاط وزارته، وترشيح أرشد العمري لرئاسة الوزارة الذي يصفه إسماعيل العارف "المحدود الأفق والتفكير والممعن في الرجعية والعفوية والنزق، فشن حملة تصفية ضد الأحزاب المجازة، .. فقامت مظاهرات صاخبة في بغداد وكركوك سقط فيها ثمانية قتلى من عمال النفط العراقيين بسبب مطالبتهم برفع الأجور في اوورباغي، وأحيل كامل الجادرجي الى المحكمة..أستقال على أثرها العمري، كي يشكل الباشا وزرارته التي استطاع فيها ان يشق الحركة الوطنية بأشراك الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الأحرار في وزارته، وعدل قانون الأنتخاب بالشكل الذي يؤمن فوز مناصريه"(3).
    معاهدة بورت سموث وإعدام فهد ورفاقه:
    بعد ذلك استلم نوري السعيد الوزارة ليكمل مشوار الأضطهاد. فتم أعتقال قادة الحزب الشيوعي في يوم 18 كانون الثاني 1947. وجرت محاكمتهم بمحاكمة علنية وكان للمتهمين محامون وكان في قاعة المحكمة مراسلوا صحف ومواطنون عاديون(4)، وحكم على ثلاثة منهم بالأعدام وهم فهد (يوسف سلمان يوسف) وزكي بسيم وإبراهيم ناجي شميل، وقبل ان يتم اعدامهم تغيرت الوزارة (بتخطيط من الباشا) كي يرأسها صالح جبر لتمرير معاهدة بورت سموث. في هذه الأثناء تمّ استئناف الحكم وخفض حكم الأعدام الى السجن المؤبد. ولم يسكت الشارع العراقي على معاهدة بورت سموث، حيث جرى إسقاطها شعبياً، وكان للحزب الشيوعي دوراً قيادياً في المظاهرات، مما ادى الى سقوط وزارة جبر وتبعتها وزارة محمد الصدر كي تهدأ الأوضاع قبل ان تصل مرة اخرى لنوري السعيد لرئاسة وزارته العاشرة في 6 كانون الثاني 1949. واول ما قام به هو أعادة محاكمة فهد ورفاقه بتهمة قيادة المظاهرات وإسقاط معاهدة بورت سموث من السجن، أمام محكمة عسكرية شبه ميدانية، وحكم على اربعة منهم بالأعدام، هم فهد (يوسف سلمان يوسف) وحازم (محمد زكي بسيم) و صارم (حسين محمد الشبيبي) وساسون شلمو دلال، وتمّ إعدامهم في يومي 14 و15 شباط من نفس العام اي بعد أربعة أيام من صدور الحكم. وأعدم فهد في منطقة علاوي الحلة المتحف حالياً، ووزع الآخرون على مناطق متعددة من بغداد وظلوا معلقين عدة ساعات، مع كتابات مسيئة على جثثهم(5). وكانت هذه الأعدامات تحدث لأول مرة ضد أشخاص مدنيين، لم يحملوا سلاحاً او يستخدموا عنفاً ضد الدولة. وقد بلغ عدد شهداء الحزب الشيوعي وموآزريه فقط، في فترة الحكم الملكي والمسجلين والمؤرخين 66 شهيداً(6)، ناهيك عن شهداء القوى الوطنية الأخرى. ويتحمل مسؤوليتها بالكامل نوري باشا السعيد بأعتباره المهند س الأول والأخير للسياسية الأمنية في ذلك العهد.
    إنتخابات عام 1954:
    لم يكن من السهل الفوز بمقاعد في البرلمان، خاصة بوجود مجموعتين قويتين هما حزب الأتحاد الدستوري بزعامة نوري السعيد وحزب الأمة الأشتراكي برئاسة صالح جبر. كان رئيس الوزراء حينها أرشد العمري، وكان موعد الأنتخابات يوم 9 حزيران 1954. لذا قررت المعارضة تشكيل جبهة وطنية لخوض الأنتخابات، متكونةً من حزب الأستقلال والحزب الوطني الديمقراطي وممثليين عن الفلاحين والعمال والشباب والأطباء والمحامين والطلاب. وكان خمسة من الثمانية هم من الحزب الشيوعي. لقد بذل البلاط والعمري والسعيد وجبر وكل قوى المشايخ والأقطاع بالغ جهدهم كي لا يفوز اي من ممثلي المعارضة الوطنية. إلا انه مع ذلك فاز احد عشر نائباً من اصل 135 نائبا،ً وتقاسم السعيد وجبر والبلاط والأقطاع بقية المقاعد. وعلى الرغم من ان الجبهة الوطنية لم تفز حتى بـ 10% من المقاعد، إلا ان ذلك أعتبر تهديداً للبلاط وللدولة. وبناء على ذلك اعتبرنوري باشا أن العمري فشل في مهمته بردع الجبهة الوطنية، فلم يجتمع المجلس النيابي سوى مرة واحدة ليتم حله، وتقديم العمري أستقالته والهرب الى الأستانة، كي يشكل السعيد وزراته من جديد(7).
    خلاصة ووجهة نظر:
    سؤآل لابد من أثارته، هو ان النظام الملكي بقيادة نوري السعيد كان متأثراً بالنظام الملكي في المملكة المتحدة، فلماذا لم تمنح السلطة التنفيذية الحرية الكافية للجمعيات والأحزاب السياسية؟ ولماذا لم تتقبل حرية التعبير السياسي في العراق؟ ولماذا لم يكن هناك حرية للصحافة والمطبوعات، أسوةٌ بما هو جارٍ في المثل الأعلى الذي تقتدي به السلطة آن ذاك وهو النظام السياسي الملكي في المملكة المتحدة؟
    الجواب إن العراق بقى ضمن العقلية العثمانية في أدارة الدولة وإن كان موالياً للأنكليز. الجواب إنها مسألة التركيب النفسي لنوري باشا السعيد، الذي سعى بقدرته الشخصية وإمكاناته الفردية أن يحكم العراق بصفته ملكاً غير متوج. حيث انه لم يكن او عائلته من الملاكين او الأغنياء، ولم يكن شيخاً او ابن شيخ من كبار عشائر العراق، ولم يكن ضابطاً كبيراً حينما بدأت الأحداث. إنه عصاميٌ بنى مجده بنفسه، وصعد لأعلى المناصب بعمله وجهده وبدهائه وبراعته السياسية. حيث رسخ ذلك بنيته الأصلية وشخصيته العسكرية وتربيته التركية العثمانية، وتأثره بشخصية وإنجازات مصطفى كمال أتاتورك الطاغية عليه. لذلك لم يكن ليتقبل المنافسة بسهولة. وإن تراجع في بعض الأحيان، فيتراجع عن قصد مخطط وعلى مضض في بعض الأحيان ليستجمع قواه. ولم تستطع الثقافة الأوربية البريطانية زحزحته حتى بعد الحرب العالمية الثانية من إسلوب حكمه قيد إنملة. وكان حوالي أحد عشر سنة من سنوات الحكم الملكي "الدستوري" الثمانية والثلاثون، كان العراق كله او أجزاء منه تحت الأحكام العرفية(8). لذا لا يمكن ان يكون رائداً دستورياً ديمقراطياً باي شكل من الأشكال. وهو داء مُصاب به معظم سياسي العراق. فإن لم يتغيروا سوف لن تتغير المسيرة الحضارية في العراق. لذلك في اعتقادي أن نوري باشا السعيد كان من أهم الأسباب التي أدت الى تشكيل تنظيم الضباط الأحرار السري وجبهة الأتحاد الوطني المعارضة، وقيام ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958. حيث ان الثورة كانت بمجملها ضد نوري السعيد وعبد الأله وليست ضد العائلة الهاشمية، وإن ذهبت العائلة المالكة ضحية للأحداث المؤسفة. إنتهى الباشا نهاية محزنة لا تليق بملك ودكتاتور العراق غير المتوج، عسى ان تكون عبرة لمن جاء من بعده، ولكن للأسف لم يعتبر أحد، ولا حياة بمن تنادي.
    © 2005 - 2024 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media