دردشات عثمانية ـ 15 ـ المبكي والمضحك من أحوال اللاجئين المسيحيين في اورميا
    الأحد 8 يناير / كانون الثاني 2012 - 23:14
    سيلوس العراقي
    ملاحظة :
    حين نقوم في هذه الحلقات من "دردشات عثمانية" بالقاء الضوء على ما جرى من مجازر واضطهادات  من قبل السلطات العثمانية ضد الأقليات وبشكل خاص منها ضد الأرمن والنساطرة وغيرهم من السريان، الغرض منها ليس إدانة التاريخ والماضي لأنه لمن الأمور السخيفة واللامعنى لها: إدانة الماضي. لكن الغرض هو: عرض الماضي مثلما هو ومثلما تم تسجيله، مع النقد الانساني والتاريخي للماضي برؤية جديدة ( وليس انكاره مثلما يحلو للدستور التركي عمله ومعه جميع المعجبين بمواقف تركيا التي تنكر هذه المجازر)  لتصحيح مسارنا ورؤيتنا للآخر: الانسان المختلف الذي يعيش معنا باحتكاك في حياتنا اليومية  بكل ما يشكله الآخر من اختلاف وغيرية لا تتطابق دائما مع كل آخر.

    لذا يتطلب قبول الاختلاف والتشجيع على نموه لأنه يعبر عن غنى انساني، لأنه باختفاء الآخرية أو الاختلاف نصبح نسخة مقيتة متطابقة ومتشابهة تفقد روعة عطور ورائحة الاختلاف الرائعة، وبالتالي نفقد بعداً انسانياً يُفقرنا انسانيتنا، كما تفقد اللوحة الموزاييكية روعتها حين يتم طلاءها بلون واحد فتتحول الى جدار عادي بلون واحد لا حياة ولا ألوان حية مختلفة فيه .

    كما أحب أن أشير الى مسألة أخرى غاية في الأهمية حول الاضواء والمختارات ـ من القراءات في كتب تاريخية توثيقية ـ نلقيها على بعض ما حدث من مجازر و ارهاب في الاعوام 1915 و 1916 أو حتى التي سبقتها في القرن الثامن عشر في تركيا العثمانية، لا يمكن بمكان وخاصة كرؤية علمية للتاريخ والماضي أن لا نذكر بالاسم وبالانتماء القومي لمن قام بالاعمال، وتسمية الاشخاص والاشياء بمسمياتها، من دون أي ترتيش أو مجاملات يرفضها ققايء أو دارس علم التاريخ، لأننا سنخرج من الموضوعية المهمة للغاية. في نفس الوقت لا يعني هذا أن هناك إدانة تطال المواطن التركي المعاصر أو الكردي، أو بشكل عام المسلم أو المسلمين. لكن مثلما نقول دائما أن التاريخ مدرسة نتعلم منها تخطي وتجاوز الأخطاء بتغيير نظرتنا للحاضر ليكون أكثر انسانياً ومنفتحا ومتصالحاً مع الماضي مع ضرورة التأسف والاعتذار والاعتراف بما ارتكبته أيادي أجدادنا وآبائنا من أخطاء ومجازر وأعمال بشعة ومآس بحق الآخرين، لا يريد الانسان المعاصر بشخص الأبناء والاحفاد تكرارها. أقول هذا لأنني شعرت بحساسية وربما انزعاج بعض المواقع الالكترونية الكوردية من نشر "دردشات عثمانية" مع احترامي الكامل لرفض نشر المقالات، ولكن أرجو ان لا يكون رفض النشر دلالة على أنهم ينكرون التاريخ والماضي وعدم الاعتراف به !!  خاصة وأن مؤسسات ومنظمات عالمية ودولية ومدنية عديدة في العالم الحر تتهيأ للاحتفال بالمئوية الاولى للمجازر العثمانية ضد الأرمن .       

    من يوميات أحوال اللاجئين المسيحيين في اورميا ـ 3 ـ

    نستمر في هذه الحلقة في عرض بعض قصص ومشاهد أخرى من معاناة النساطرة في اورميا ـ محافظة اذربيجان الايرانية في عام 1915،  وجهود الارسالية التبشيرية الاميريكية في التخفيف من الرعب والمعاناة التي ابتلى بها المسيحيون، والخدمات التي يقدمونها لهم إن كان في داخل مجمع الارسالية، أو في الجولات التي كان يقوم بها اعضاؤها بين القرى لتفقّد أهاليها التي عانت الترهيب والقتل والخوف. وكانوا يسجلون كل صغيرة وكبيرة في يوميات الارسالية، التي ارسلت الى مقرها في الولايات المتحدة، وتم نشر الكثير منها في مقالات في الصحف الاميريكية، ثم تم نشرها فيما بعد في كتب الى جانب العديد الآخر من الكتب التي تناولت مأساة ومجازر يصعب تحديد عدد الكتب التي صدرت حولها كما يصعب على الأقلام أن تصور بشاعة الانسان حينما يتحول الى اداة للشر ليس إلا ، ويصبح كالوحش الذي لا يرى في الآخر أخاً أو مواطناً له الحق ذاته الذي له في الأرض والانسانية والقيم والحياة المشتركة.

    بعض من الناس غادروا مجمعنا وعادوا الى بيوتهم، ولكن لا يعني هذا توقف نزوح المسيحيين ولجوءهم الينا، فيوم أمس 9 كانون الثاني 1915 واليوم وصل لاجئون من قرى نهر (نازلو) ومن (تشالكاوشا).

    قمنا يوم أمس بنقل 36 ميت الى خندق في ساحة كنيسة مارت مريم (القديسة مريم) أغلبهم كانوا من الاطفال.

    قصة لوسي وأختها الحسناء شيرين:

    لوسي ابنة  قاشا دافيد (داؤد)، قس منطقة ارديشاي، جاءتنا أمس مع طفلها من كولباشان   Gulpashan حيث كانوا قد التجأوا لبعض الوقت للعيش في منطقة كردية، كانوا فيها في حالة خوف منهم ومن الحراس الأتراك، ومن جيرانهم المسلمين. في كولباشان ونتيجة لرعبهم وخوفهم صعد الناس الى السطوح حين دخل الأكراد اليها وحاصروا المنطقة، والأكراد شعروا بهذا فصعدوا الى سطوح المنازل وأمروا من فيها بالنزول الى الأسفل، لوسي التي كانت على السطح صعد اليها كردياً لانزالها، فنزلت حاملة طفلها على ظهرها، وكان هناك مقاتلين أكراد آخرين في الاسفل، وفي الساحة وجدت أختها الصغرى شيرين التي لها  15 سنة من العمر، قد تم جرها بعيداً من قبل الأكراد، قامت شيرين بالتوسل بلوسي حين رأتها، لكن لوسي كانت عاجزة على مساعدتها.

    أخبرتني لوسي بأنها في كل ليلة كانت تسمع تنهدات شيرين : يا لوسي، آه يا لوسي ، سأكون قربانكم وضحية لك، ساعديني يا لوسي. وكنت أرد عليها: غطي رأسك بفراشك ونامي.

    شيرين كانت جميلة جداً، ومن شدة خوفها من أن يخطفها الأكراد كانت تضع قليلا من الطين أو الوحل على وجهها لتخفي جمالها الساحر، عيونها داكنة جميلة، وخدودها حمراء بحمرة زهرة الجنبد.

    كان الأكراد يقتربون من الفتيات ويكشفون عن وجوهن ليطلوا ويدققوا فيها إن كانت جميلة ، فحينما يعثر على فتاة جميلة يكون من أحدهم أن يجرها بعيداً ليأخذها ملكاً له.

    لو كانوا قد قتلوا أختي (تضيف لوسي) لكان بامكاننا القول بأنها ميتة مثلما مات العديد من الفتيات والنساء، لكن أن تكون بيد الأكراد وقد خطفوها فهذا صعب ولا يمكن احتماله.  لكن لا من خبر لدينا حول أختي شيرين، ولا نعرف ماذا حلّ بها.

    حتى الزبالين حاصروا المسيحيين :

    اليوم 23 كانون الثاني، تمكن السيد ماكد ويل من الحصول على عربة زبالة، لجمع ونقل الاوساخ، لأننا لم نتمكن من الحصول على العدد الضروري من الحمير حيث نملك فقط خمسة حمير. وجامعي الأزبال لا يأتون الى المناطق والاحياء المسيحية لجمع الأزبال، حتى بعد أن وعدهم السيد ماكد ويل بأنه سيدفع لهم أتعابهم بشكل جيد. واننا في المجمع لدينا شبابيك تطل على الجهة الخلفية للمباني لا يمكننا فتحها اطلاقاً، وذلك للروائح الكريهة التي تتسرب منها، اعتقد أن مجرد ذكر مثل هذه الاشياء سيكون مروعاً أيضاً حين قراءتها، لكنني أود أن أقول بأننا نعيش في هكذا محيط منذ ما يقرب ثلاثة اسابيع. وبسبب الزحمة الشديدة في عدد اللاجئين نأمل في أن سنتمكن من توزيع بعض اللاجئين من المناطق الجبلية في البيوت الخالية في حي المسيحيين وفي منطقة مارت مريم.

    طرفة من سلوك الأهالي الفرس مع المسيحيين:

    الكثير من العوائل المسلمة التي تظاهرت بأنها لا مانع لها من أن تقبل أن تبقى حاجيات ومؤونة غذائية وهي ستحافظ عليها في أمان لديها، تم اعتبارها ملكهم الخاص حينما طالبهم بها أصحابها المسيحيين.

    واحد من واعظينا، بعدما سطى عليه جيرانه المسلمين وسلبوا كل ما لذ لهم من حاجيات منزله، شاءت الصدف أن يلتجيء اليهم، فقبلوه لاجئاً، فحينما كانوا يقدمون له الأكل كان يرى بأنه مما سرقوه من منزله من مواد غذائية، وكان ينام على فراشه وسريره ذاته الذي سرقوه منه !!

     حينما يصبح جارك عدوك الأكبر :

    صعب إن لم يكن مستحيلاً على الانسان أن يعيش في بيته وجاره تملؤه العداوة والكراهية ويضمر الشر تجاهه. فالدكتور باكارد من مجمع اورميا ذهب لعدة أيام لتفقد أحوال المسيحيين في قرى نهر( نازلو) وليجمع العوائل المتبقية والمختفية في قرى المسلمين، لمحاولة أن يتم تجميعهم في بعض بيوت المسيحيين الشاغرة هناك، مرة أخرى. ومع أن أكثر المقاتلين الأكراد قد تركوا المنطقة، لكن الخوف والرعب لازال لدى النساطرة المسالمين غير المسلحين، مثلما كانوا دائماً، يرون ويشعرون بأن جيرانهم المسلمين قد أصبحوا يعادونهم. بالرغم من أن المسلمين لم يعلنوا علانية بأنه الجهاد المقدس ضد المسيحيين، لكن الحال يشير الى أنه كذلك وأن قد تم التخطيط المسبق لتهجير وترهيب وقتل المسيحيين، في كل أطراف سهل اورميا. لكن هذا ليس تعميماً على كل مسلمي اورميا، حيث كان هناك العديد من المسلمين الذين كانوا ودودين في تعاملهم مع المسيحيين، كما قاموا بانقاذ حياة العديد من المسيحيين، وهذا لا يمكن انكاره.

    العصمنليي يبحثون عن شعرة عثمان :

    حدث تحرك ملفت للاهتمام والشكوك، حين قامت فرقة من الجيش التركي العصمنلي بالدخول الى فناء مجمع الارسالية، وأخبرونا بأنهم يريدون تفتيش مقراتنا للبحث عن جنود جرحى من الجيش الروسي.

    فقاموا بتفتيش منازلنا والمدارس وكل المباني والمخازن، وحتى أصغر الغرف، تستطيع أن تتخيلهم وهم في عملية تفتيش عن شعرة ضائعة من لحية عثمان (عصمان). وأنا لدي فكرة بأنهم يشكون او يظنون بأننا لدينا اسلحة أو نخفي اسلحة في مجمعنا. خاصة واننا قمنا بحملة قبل عشرة ايام، بجمع بعض ما كان موجودا من سلاح أو ما يمكن اعتباره سلاحا، مع بعض اللاجئين وتم تسليمه القائد العصمنلي في المدينة.

    ولأننا ليس لدينا ما نخفيه فليس لدينا أي خوف، على الرغم من الخوف الذي انتاب اللاجئين من هذا التحرك من جانب الفرقة العصمنلية.

    الحسناء شيرين : بامكانكم قتلي لكن لن أنكر ايماني:

     في يوم الاحد 24 كانون الثاني جاء الينا رجل يهودي من اوسكنوك يحمل خبراً حول شيرين ابنة قاشا دافيد، ليخبرنا بأنها في بيت كردي، والاكراد يبذلون كل جهد ممكن معها من هدايا و تهديدات، لاقناعها بأن تشهر اسلامها، لكنها تجيبهم دائماً : "بامكانكم قتلي لكنني لن أنكر ايماني مطلقاً". ونحن في المجمع بدأنا في وضع بعض الخطط لمحاولة إعادة شيرين الى أهلها.

    أخبار بيكارد حول قرى نازلو: 

    أخبرنا الدكتور بيكارد حين عودته من زياراته لتفقد أحوال قرى نهر (نازلو)، بأن مسيحيي احدى القرى المسلمة، تحولوا بكاملهم الى الاسلام، وتخلوا عن الكنيسة ليجعلوا منها جامعاً. والبعض منهم لعنوا دينهم الأول. ويبدو برأيي ( ماري شوفلر) بأن هؤلاء لم يكن لهم ايمان أصلاً، وانهم قاموا بتغيير اسم دينهم فقط لتأمين راحتهم الشخصية.

     

    نساطرة في حماية العوائل اليهودية :  

    في يوم الاربعاء 27 كانون الثاني ذهبت مع احدى السيدات الى الأحياء اليهودية في المدينة، للبحث عن العوائل المسيحية اللاجئة فيها الى بيوت اليهود.  فوجدنا أعداداً كبيرة من السريان اللاجئين اليهم، كانوا بأمان معهم وحتى أن اليهود قد تكفلوا بتقديم الأكل والغذاء لهم في بعض الحالات.

    الارسالية الفرنسية تتخلى عن اللاجئين:   

     يوم أمس 26 كانون الثاني، أبعدت الارسالية الفرنسية من مجمعها، أكثر من 250 شخصاً لاجئاً، الذين ذهبوا اولاً الى الحاكم الذي قام بدوره بالاتصال بدكتور (شيد) مسؤول مجمعنا، وكان علينا استقبالهم، فتم استيعابهم في منزل الدكتور اسرائيل في منطقة (ديلكوشا) الذي يقع عملياً خارج أسوار المدينة.

    كل بيوتهم قد تم سرقتها ونهبها كلياً، والعديد من البيوت قد تم سرقة أبوابها وشبابيكها أيضاً، فلم يفكر أحد منهم بالعودة الى بيته، وعدد منهم عادوا الى منطقة مارت مريم.

        للمقال تتمة

    1. دردشات عثمانية ـ 14 ـ أترون كيف أن الله يحب المسيحيين في اورميا ؟ - سيلوس العراقي
      04/01/2012 - 22:15 مقالات
    2. دردشات عثمانية -1- - سيلوس العراقي
      16/11/2011 - 00:26 مقالات
    3. دردشات عثمانية ـ2- - سيلوس العراقي
      16/11/2011 - 13:11 مقالات
    4. دردشات عثمانية ـ 3 من روايات العنصرية العثمانية القاتلة (1) - سيلوس العراقي
      19/11/2011 - 22:43 مقالات
    5. دردشات عثمانية -4- من روايات العنصرية العثمانية القاتلة ـ 2 - سيلوس العراقي
      22/11/2011 - 23:15 مقالات
    6. دردشات عثمانية ـ 5- الأحوال في ولاية (وان) الأرمنية الجميلة ـ1 - سيلوس العراقي
      30/11/2011 - 00:05 مقالات
    7. دردشات عثمانية -6- قصص من الأيام الأخيرة لمدينة (وان) الأرمنية - سيلوس العراقي
      05/12/2011 - 23:02 مقالات
    8. دردشات عثمانية ـ 7 ـ مجازر وصور من القتال في ولاية بتليز الأرمنية العثمانية - سيلوس العراقي
      08/12/2011 - 23:04 مقالات
    9. دردشات عثمانية ـ 8 ـ تتعدد الأسباب والمجازر واحدة (بعثمانية) - سيلوس العراقي
      14/12/2011 - 22:17 مقالات
    10. دردشات عثمانية ـ 9 ـ معاناة امرأة أرمنية مُرحّلة - سيلوس العراقي
      18/12/2011 - 23:32 مقالات
    11. دردشات عثمانية ـ 10 ـ أحوال النساطرة والأرمن في اذربيجان وحكاري - سيلوس العراقي
      19/12/2011 - 23:32 مقالات
    12. دردشات عثمانية ـ 11ـ قراءة في سفر الخروج الأول للمسيحيين من اورميا - سيلوس العراقي
      22/12/2011 - 01:02 مقالات
    13. دردشات عثمانية ـ 12 ـ الأرمن والنساطرة : بين وحشية المجازر ومآسي اللجوء - سيلوس العراقي
      23/12/2011 - 23:14 مقالات
    14. دردشات عثمانية ـ 13 ـ من يوميات أحوال اللاجئين المسيحيين في اورميا (1) - سيلوس العراقي
      28/12/2011 - 23:50 مقالات
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media