شيء من اللغة.. الجمال والجمل (الحلقة السادسة)
    الأحد 26 مايو / أيار 2019 - 04:09
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء في اللغة

    جاء من الجذر (ج م ل) الجمال، وهو أقصى الحُسْن. والمجاملة المعاملة بالجميل. والمجامل: الذي يقدر على جوابك ولكن يتركه إبقاء على مودتك. ويختلف عن المنافق.
    والجَمول: المرأة السمينة الضخمة. والسمانة والضخم من معالم الجمال عند القوم، وكانوا يعيبون المرأة النحيفة. والجُملة: جماعة الشيء.
    وبإمعان النظر في معاني الجمل والجمال، نرى أن كل هذه المعاني المادية كما في الأشياء الضخمة العريضة الطويلة، والمعنوية كما في الحُسن المتعاظم حتى صار جَمالا، منتقلة من أصل اللفظة الدالّ على: الضخامة والعِظَم، مع رهبة وشديد إعجاب تارة، وعميق خوف وذهول، تارة أخرى، حسب سياق الجملة.
    ولقد أُثر عن العرب أنهم يصفون السراة: بأنهم اتّخذوا الليل جملا، وقد كانوا يخشون الليل فلا يتنقلون أثناءه، خوفا من عدو أو قاطع طريق أو الوحوش الضارية. فجعلوا الليل جملا لهم. وأكثر ما يقال ذلك في حالات الخوف والهروب. لذا كان السرى في الليل موضع فخر شجعانهم، كما في قول الشاعر:
    كم ليلة ليلاء مُلبسة الدجى
    أفقَ السماء سرَيتُ غيرَ مُهَيَّبِ
    ولم يقل أحد: اتخذوا النهار جملا. وحين وصفوا عظيم القوم بأنه جملهم، فإنما أرادوا العظم والهيبة الداعية لشديد الإعجاب وعميق الرهبة.
    وقارن لفظة الجمل، بلفظة الجبل، واعلم أن الميم والباء من مدرج صوتي واحد من أسَلَة اللسان والشفتين، حتى أن المرء إذا أصيب بزكام فإنه لا يُحسن نطق الباء نطقا سليما، فيميل به إلى الميم. وللميم والباء دلالة لغوية متقاربة وإن لم تكن متطابقة.
    ومن الواضح أن لفظ الجمل قد عدل به الناس عن وصف زعيم القوم وشيخهم، لأسباب اجتماعية، واكتفوا بأن أطلقوه على البعير الضخم، فصار، بمرور السنين، أول ما يتبادر إلى الأذهان. وبه قال المفسرون. وفسروا (جمالة) في الآية: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) بأنها: الناقة الضخمة، ولكن ألا يوجد ما هو أكثر ضخامة منها ليشبّه بها ذلك الشرر الذي هو كالقصر العظيم الكبير، وأين الصلة بين القصر والناقة؟
    لذلك كله نرى أن (الجمل) لغويا لا علاقة له بالبعير الضخم ولا بزعيم القوم وشيخهم، وما إلى ذلك، وإنما هو وصف استعير لتلك الأشياء. ونرى أن (الجمل) في الآية، حسب المعطيات اللغوية، يدل على أقصى الضخامة. فمهما بلغت قدرة الناس على صناعة خياط كبير وسِمّه كبير وواسع، فإنه أضأل من أن يولج فيه الشيء الذي هو أضخم منه. مهما كان حجم ذلك السّمّ، وبهذا المعنى يستحيل على (الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا) دخول الجنة.
    وقد تسأل عن ترجمة الجمل، في هذه الآية، إلى اللغات الأخرى، وهل يصح أن يقال (Camel) في الإنكليزية مثلا؟
    فأقول: الترجمة ليست قرآنا، بل هي شروح وتفسير. وكلمة (Camel) تدل على البعير. فعلى المترجم أن يجد، حسب اجتهاده، اللفظ الأجنبي الأقرب إلى المعنى الذي ذكرناه آنفا.
    وهنا ملاحظة جديرة بالانتباه وذلك أن المفسرين قد جانبوا الصواب أحيانا في تفسير كلمات قرآنية بروايات لا أدري مدى صحتها انتقلت منها إلى الترجمة. فمثلا ترجموا كلمة الصمد في قوله، تعالى: (الله الصمد) أنه الذي يكفي نفسه بنفسه.
    ونقل الطبري (ص 8901) روايات تقول: إن الصمد الذي ليس بأجوف أو إنه الذي لا جوف له. أو الذي لا يطعم ولا يشرب، ولا يقوم بأفعال الناس الحيوية. وانتقل هذا إلى الترجمة الإنكليزية (Self-Sufficient) أي المعتمد على نفسه.
    وكان الأجدربهم أن يعودوا إلى اللغة فيفهموا أن الصمد هو الذي يَصْمَدُه عبادُه: أي يتوجهون إليه بالعمل الصالح والدعاء والطلب. ومعنى: صَمَدَه: قصَدَه. كما في قول الشاعر:
    عَلَوته بحسامٍ ثمّ قلت له
    خذها حُذَيفُ فأنت السيد الصّمَدُ
    (مجمل اللغة 3/241، منشورات معهد المخطوطات العربية، 1985)
    أي الذي كان الناس يقصدونه بحوائجهم.
    هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.


    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media