الحسين صوت الحق الإلهي/ 4
    الأثنين 7 سبتمبر / أيلول 2020 - 13:48
    عبود مزهر الكرخي
    وفي ظل حكم أموي ديكتاتوري سافر كان لأبد من الأمام الحسين أن يقف موقف الإمام في عصر زمانه ولتدق ساعة السخاء والشهادة في أذني الحسين لتبدأ مرحلة التضحية والشهادة ولتقديم روحه الشريفة قربان على مذبح الحرية وأحقاق الحق وليقول كلماته المشهورة والتي يتخذها الثوار والأحرار شعار لهم في المسير نحو مسير الحرية ورفض الظلم والباطل والذي لا يتحقق إلا بالشهادة حيث يقول عليه السلام في مسيره إلى كربلاء (1): { إن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما. إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم (2) يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء(3)قل الديانون }.
    وكانت هذه اللحظة في المسير نحو الشهادة هو ليس لكسب السلطة والحكم واستردادها من الغاصبين كما يروج بعض الكتاب من القصيري النظرة بأن الحسين عندما خرج كان لطلب الحكم ليصل الأمر الى ما ادعى مفتي السعودية الشيخ عبدالعزيز آل شيخ أن "بيعة يزيد شرعية وعلى الذي يخرج على حكمه مأثوم حرام والحسين بن علي رضي الله عنه خرج على يزيد" علي حد زعمه، ليشدد ويقول "من الواجب على الحسين بيعة يزيد لكن الحسين غرر به و لم يبايع يزيد". فأي منطق هذا وترهات يطلقها هذا المفتي والذي لا يفهم من خلال كلامه أي شيء حين يتكلم والذي كل ما قاله يحمل كل خلفيات أفكار ومفاهيم أبن تيمية والفكر الوهابي المتشدد. ولو أن هذا الشيخ الجاهل لو راجع ما يقوله علماؤه من أهل السنة الجماعة عن يزيد وهو يعرف حق المعرفة فيما يقوله العلماء من السنة ولكن هو التزوير والتحريف والغش الذي يمارسه علماء الجهل والتخلف من وعاظ السلاطين.
    ولننقل فقط قولين من علماء أهل السنة والتي لدينا هنا الكثير من الأحاديث والأقاويل من علماء وفقهاء أهل السنة والتي تذم يزيد وبيعته المشبوهة من قبل ابوه معاوية(عليهم لعائن الله) حيث قال الشوكاني في نيل الأوطار: «لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا بأن الحسين باغ على الخمِّير السكير الهاتك لحرمة الشريعة المطهرة، يزيد بن معاوية لعنهم الله ! فيا للعجب من مقالات تقشعر منها الجلود، ويتصدع من سماعها كل جلمود !»(4).
    وقال عنه الذهبي : «وكان ناصبيًّا، فظًّا، غليظًا، جلفًا، يتناول المسكِر ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرَّة، فمقتَه الناس، ولم يبارَك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين»(5).
    ومن هنا كانت مسيرة الشهادة وركب المنايا الى كربلاء للأمام الحسين(ع)هو مسير نحو الحرية وإقرار الحق وليس لطلب السلطة لأنه في تلك الظروف والتي قد درسها الإمام الحسين (ع)جيداً وفهمها عن ابائه بكل دقة والنتيجة أن تسفر هذه المواجهة عن دولتين دولة المعارضة بلون أحمر من الدم، ولون أسود قاتم من الظلم فينتزع بذلك عنها الطابع الاسلامي الذي كانت تدعيه ويضع هذا الطابع على الدولة التي أرادها الإسلام للمسلمين. ومن هنا كانت خطبته المشهورة قبل خروجه من مكة ليسير في طريق الشهادة إلى كربلاء ليقول { الحمد لله وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، [وصلى الله على رسوله]، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم، خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز بهم وعده، من كان باذلا فينا مهجته، وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى }(6).
    ولهذا لم يقم الحسين (عليه السلام)دولة الاسلام ولكنه أرخ الدولة الاسلامية، وكتب حقائقها الذهبية، وسجل نظامها بمداد من الدم أبد الدهر.
    وكانت الطفوف وارض الغاضرية هي ترجمة رائعة ليوم الغدير وكان الدم الطاهر والشريف لأبي عبد الله على أرض كربلاء هو أكبر برهان على أن روح الإسلام المحمدي باقية وتتعالى عن منطق المعارضة وكل الحكومات الديكتاتورية وكان يوم الطف هو يوم الفصل والقيامة والتي قضت فيه على كل الحكام المستبدين وكان يوم الفصل بين الحق والباطل وبين العدل والظلم وبين النور والظلام وكان يوماً وبحق يوم الظفر بحقوق الإنسانية وتثبيت حقائق الإسلام  في أطار دموي رهيب وانتصار الدم على السيف وبكل معنى الكلمة.
    ولهذا لم يكتف الأمام بذلك بل كانت صوت الحق الإلهي يدوي ليستغيث طالباً للمعونة والنصر لتفيض بعد ذلك كل التضحيات الاستشهادية وكل الأرواح الخيرة على مذبح الحرية ورفض كل أنواع الظلم والطغيان ولتخرج الحركات التحررية الجبارة وليبقى هذا الصوت الإلهي الشريف يدوي صداه على مسمع الإنسانية عبر التاريخ ولتكون الشهادة هي الطريق الى الحياة ولتكون التضحية هي السبيل الى الكرامة، ولتعلم ارض كربلاء كيف يهب الفرد حياته للامة فيكون شيئاً من حياة الامة كلها.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المصادر :
    1 ـ ذلك في موضع يقال له: ذى حسم ونقل هذا الكلام الطبرى في تاريخه " عن عقبة بن أبى العيزار قال: قام الحسين عليه السلام بذى حسم فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أما بعد انه قد نزل من الامر ما قد ترون .. إلخ " مع اختلاف يسير. وايضا نقل شطرا منه السيد ابن طاووس في اللهوف وعلى بن عيسى الاربلى في كشف الغمة أيضا. والصبابة - بالضم -: بقية الماء في الاناء. والمرعى: الكلاء. والوبيل: الوخيم. الفتوح: ج2، ص77 ـ 78. تحف العقول - ابن شعبة الحراني - الصفحة ٢٤٥. منشورات المكتبة الشيعية.
    2 ـ  في بعض النسخ [ لغو على ألسنتهم ].
    3 ـ  محص الرجل: اختبر.
    4 ـ الشوكاني : نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار ـ ج7 ص176.
    5 ـ الذهبي : سير أعلام النبلاء ـ ج4 ص37و38.
    6 ـ مثير الأحزان: ٤١، اللهوف: ٢٦، كشف الغمة ٢: ٢٩، بحار الأنوار ٤٤: ٣٦٦، العوالم ١٧: ٢١٦، أعيان الشيعة ١. موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) - لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) - الصفحة ٣٩٧.

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media