كورونا .. هل يغير العالم مناخه ..؟ ... ح2 ...
    الجمعة 2 يوليو / تموز 2021 - 18:51
    عدي عدنان البلداوي
    بعد اكثر من سنة على تفشي وباء كورونا اعلنت اكثر من دولة توصلها الى لقاح ، ومن بين مجموعة كبيرة من اللقاحات المقترحة اعتمدت منظمة الصحة العالمية عدداً محدداً منها ، وفي هذه الأجواء ظهرت موجة ثانية من الفايروس ، ويتوقع ظهور موجات واجيال جديدة ، ربما لأن الوباء جديد وغريب لذا اخذ التخيّل دوراً في وصف الآتي من الأيام ، وربما الإحاطة بحجم المخاوف الحقيقية كان وراء كثير من هذه التوقعات وربما قلة المعرفة بحقيقة الوباء . هذا يعني اضطرار الناس للبقاء في البيوت وقتاً اطول ، وحيث ان اجهزة المناعة لدى كثيرين وبحكم المناخ السياسي والاقتصادي العالمي ، ضعيفة في جانبيها البدني والنفسي ، فقد تولّت الجهات والمنظمات الصحية تبيان مستلزمات رفع مناعة الجسم ، وهذا وحده لا يكفي مالم يرافقه رفع المناعة النفسية ايضاً ، فإذا كان التعرض لأشعة الشمس وتناول العسل والخضروات الطازجة ، وممارسة الرياضة البدنية يرفع المناعة الذاتية للجسم ، فإن النفس تحتاج الى تمارين تحفظ لها نظافتها وعافيتها ، مثلما يقاوم الجسم الفيروس بمناعته الذاتية القوية ، فإنه يقاوم الإشاعات والإعلام المضاد والأخبار الموبوءة بمناعته النفسية القوية التي تمنع الإعلام السلبي من اقتحام طاقته الإيجابية واصابتها بالضعف . افادت دراسات طبية ان الإحباط والشعور بالضعف المعنوي يؤثر على سلامة المناعة البدنية للجسم ويعرضّه للإصابة بالفيروس ، واذا كانت قوّة مناعة الجسم الذاتية متوفرة في اصناف الأغذية ، فإن قوّة مناعة الجسم النفسية متوفرة في الوعي الذاتي الذي يعطي الشخص الوقت والإستعداد للإتصال بالنفس في اجواء نقية لاستلام بث روحي معنوي صرّحت به الآية الكريمة ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربّكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) ..

    اذا اخذنا بنظر الإعتبار وجود اكثر من سبعة ملايين عراقي تحت خط الفقر، و70% نسبة البطالة في صفوف الشباب حسب احصائيات عالمية ، فإننا بحاجة الى خلية ازمة تتصرّف على وفق معايير وخطط اكبر من عسكرة الحياة المدنية للناس ، بينما يؤشر الواقع خلاف ذلك.

    نقلت احدى القنوات الفضائية عبر شريط إخباري اعتقال اكثر من 5000 مواطن عراقي خالفوا حظر التجوال منذ تطبيقه لغاية اواخر اذار 2020م ، دون إشارة الى اعداد العوائل المعرّضة للجوع وآلية مدّهم بالمعونات اللازمة بينما بادر أشخاص غير مرتبطين بجهات حكومية او منظمات حزبية الى تجهيز وجبات وسلات غذائية لتوزيعها على المتضررين في نشاط اجتماعي مدني خدمي تطوعي ..

    بفعل مشاريع تدويل السلطة ورأسمال الاقتصاد ، والتداول السريع للمعلومات والتطور المذهل للتقنيات وبرامج الذكاء الإصطناعي والروبوت ومشاريع تسليع العلم وعولمة الثقافة والبيئة الإصطناعية ومشاريع التحكم بالطقس ومشاريع انتاج مواد خام اصطناعية ، ثمة صراع يواجهه كل شخص مع نفسه ومع محيطه ، صراع غير متكافىء ، فهو يبحث عن ذاته ، بينما مشاريع التدويل تبحث في ترقيمه وادراجه شيئاً ضمن عالم الأشياء ، ظهرت هنا وهناك توجهات وتصريحات ومواقف كشفت عن إغفال متعمد لكرامة الإنسان التي اولاها النص المقدّس اهتمامه في قوله تعالى ( وكرمنا بني آدم ..)

    وفي حديث نبوي يذكره اليعقوبي في تاريخه ( من ازداد علماً ولم يزدد زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً) بهذا الإبتعاد عن الله تدخل الكرامة ويدخل العلم سوق التسليع . لا نستطيع في اجواء العالم هذه ، ان نبحث في سلامة حياة الإنسان ومستقبله بعيداً عن كل هذه المتغيرات .. فمثلما اذهلت الثورة العلمية التكنلوجية الناس ، فقد ساعدتهم على وعي اهمية الإستقلالية ، فصار الشخص يبحث عن حريته ويطالب بها ، كما حصل في خروج آلاف البريطانيين في اوائل 2021م احتجاجاً على قانون يعطي رجال الشرطة صلاحيات اكبر في تقييد التظاهرات . وصار يعي انه يفعل كل ذلك في عالم يتحكم حتى بمناشداته ويحوّر اوجاعه ويستثمر معاناته ويوظّف جوعه في مشاريع عالمية تمضي على اسس غير متكافئة الفرص ..

    ان معرفة الشخص بنفسه ، والمامه بواقعه وماضيه من تراث ودين وقيم وتاريخ ، ومحاولاته الجادة تأويل وجوده من خلال ذلك في مجتمعه على وفق مشتركات إنسانية اخلاقية ، كل ذلك اجراءات تحتاجها الشعوب من اجل انتاج نظام عالمي يحفظ قيمة الوجود الإنساني ولا يعرّضه للإستثمار والتبعية . الإنسان عقل وإرادة ومشاعر وطباع . وكلما تعلق بقيم ومثل عليا في حياته العملية كانت ارادته ومشاعره وطباعه تصب في صالح العقل وهو ينتج افكاراً موضوعية ، وكلما افتقر الإنسان الى القيم العليا في حياته العملية كانت ارادته ومشاعره وطبعه تصب في اتجاه انتاج العقل للأفكار الإنفعالية..

    يقول دكتور سامي الدروبي ( .. ليس هناك انسان بلا رسالة وبلا رغبة عميقة في تحقيق قيمه ، لكن معظم الناس يظلون خلال شطر كبير من حياتهم يطوفون تائهين ، لا يعرفون على وجه اليقين ما ينبغي لهم ان ينشدوا من اهداف ، لأنهم يجهلون ان المعرفة الأولى التي يجب ان يحصلها الإنسان من اجل تعيين حياته انما هي معرفته الصادقة الواضحة بطبعه) *...

     ----------------------

    * ص273 كتاب علم الطباع د سامي الدروبي مصر 1961.

    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media