--
--
انقرا "الشق الأوسط - يعرف الأتراك سيدة تدعى لطيفة هانم، كانت زوجة اتاتورك، وأول سيدة أولى في الجمهورية التركية. يعرف الأتراك عنها انها كانت سيدة قوية، ثرية جدا، شرسة احيانا، وعصبية المزاج غالبا. وعندما طلقها اتاتورك بعد نحو 3 سنوات من الزواج، لم يفتقدها أحد في قصر الرئاسة في منطقة "تشانكيا" الراقية بوسط أنقرة، إلا اتاتورك الذي كان يختلي بنفسه ليبكي.
كانت لطيفة في نظر الكثيرين من الأتراك آنذاك إمرأة مستقلة جدا، وقوية ربما أكثر من اللازم، فلم يشفع لها أنها كانت مثقفة درست القانون، وساهمت في قوانين المساواة بين النساء والرجال في تركيا خلال العشرينيات القرن الماضي، فيما كان أكثر من 95% من النساء التركيات آنذاك غير متعلمات. وبينما كان حريم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي تنازل عن الحكم عام 1909، يعشن في الحرملك بالقصر السلطاني، كانت لطيفة هانم بعد ذلك بسنوات قليلة جدا، وتحديدا عام 1923 تخرج مع اتاتورك في كل جولاته، وتسافر معه للخارج. وتجلس بجواره في العربة العسكرية وتلوح بيدها للأتراك. وبينما كان الأتراك يقدسون مصطفى كمال باشا، ويخافون منه جدا، كانت هي تجادله علنا في كل الأشياء التي لا تشاركه فيها الرأى، وفيما يناديه الجميع بلا استثناء مصطفى كمال باشا، كانت هي تناديه غالبا: مصطفى فقط وسط وزرائه وكبار المسؤولين العسكريين. أسطنبول: منال لطفي لم يهتم الكثيرون بلطيفة بعد طلاقها من اتاتورك، ماتت في الظل، إلى أن جاءت كاتبة تركية فصلت من عملها في صحيفة "جمهوريات" الواسعة الانتشار، ووجدت الوقت أخيرا لتبش في سيرة لطيفة. نبش السيرة غير حياة ابيك شاليشلار صاحبة كتاب "لطيفة هانم"، وهو الكتاب الأكثر مبيعا في تركيا خلال هذا العام والعام الماضي إذ طبع الكتاب سبع مرات، وتحولت ابيك من صحافية عادية إلى كاتبة معروفة وصاحبة أول سيرة ذاتية عن لطيفة. نبش السيرة أيضا أعاد الاعتبار للطيفة هانم التي ماتت وحيدة دون أن تدري انها يوما ما ستكون مثالا للكثير من الشابات التركيات اليوم. لكن الأهم هو أن نبش السيرة أخاف كل المؤسسات الحاكمة في تركيا، إذ مثلت ابيك أمام المحكمة العليا في تركيا بتهمة إهانة الدولة التركية بسبب كتابها حول لطيفة هانم وتطرقها إلى علاقتها مع اتاتورك، لكن المحكمة برأت ابيك لاحقا. ابيك شاليشلار تحدثت لـ"الشرق الأوسط" حول لطيفة هانم، وحول سبب الكتابة عنها، وتأثيرها على تركيا الحديثة، ولماذا يحبها الأتراك الآن ويتحدثون عنها ويعرفونها أكثر مما عندما كانت سيدتهم الاولى. وهنا نص الحوار:
* كتابك "لطيفة هانم" أثار جدلا واسعا في تركيا، وألقى الضوء على فترة حساسة جدا من تحول تركيا من امبراطورية إلى جمهورية، وهي السنوات الأولى من عشرينيات القرن الماضي، وسنوات زواج لطيفة من أتاتورك. لماذا نبشت حياة لطيفة هانم بالذات؟ ـ لا شئ يشبه لطيفة هانم، تحولت صورتها من صورة المرأة الهستيرية العصبية الغيورة إلى صورة المرأة التي تحقق بسببها الكثير للتركيات. قرأت حولها عدة قصص، أثارت اهتمامي جدا، فقررت الحفر في حياتها لمعرفة أي نوع من النساء كانت هذه المرأة، ونوع علاقتها مع مصطفى كمال، ودورها في الحركة النسوية في تركيا في ذلك الوقت.
* ما الذي تقصدينه بالحركة النسوية في تركيا في ذلك الوقت، لقد كان الوقت مبكرا على ظهور حركات نسائية في تلك الايام؟ ـ لا..الحقيقة لم يكن الوقت مبكرا، بل كان الوقت المناسب. فخلال السنوات الاخيرة من عمر الدولة العثمانية ظهرت الكثير من الحركات النسائية. كانت هناك عام 1908 حركات نسائية بعد الثورة على السلطان عبد الحميد الثاني وإعلان الاصلاحات الدستورية. لطيفة في عام 1899، عندما كانت تبلغ من العمر 10 اعوام او 11 عاما، بدأت درستها في الخارج في لندن وباريس. في لندن درست في مدارس عريقة مشهورة، وكانت تتحدث الكثير من اللغات الاجنبية. في باريس درست القانون، وتأثرت بالاجواء المحيطة، كما انها كانت محاطة بشخصيات مثقفة عديدة. وعندما عادت الى تركيا خلال حرب التحرير كانت متأثرة بالافكار حول حقوق النساء، والتقت مع مصطفي كمال الذى كان بدوره مهتما بالنساء ومساوتهن مع الرجال، وكان ضد فكرة فصل النساء عن الرجال في المجال العام. كان زواجهما زواج عقل، لكنه كان ايضا زواج حب. وخلال سنوات زواجهما كانت لطيفة تشكل على الدوام تحديا عقليا لمصطفى كمال لأنها كانت مهتمة جدا بالسياسة الدولية والتركية.
* قلت إن لطيفة كانت تشكل تحديا عقليا أمام مصطفى كمال. في أي قضايا على وجه التحديد؟ ـ كانت لطيفة تشكل تحديا أمام مصطفى كمال في الكثير من القضايا، خصوصا قضايا النساء. في عام 1923 مع تأسيس الجمهورية التركية أرادت أن تكون عضوا في البرلمان، ولم يكن من حق النساء في ذلك الوقت لا الترشح ولا التصويت، لكنها طلبت الحصول على حق الترشح. ونشب خلاف محدود بين مصطفى كمال ولطيفة حول هذا الموضوع، وقال لها مصطفى كمال: هذا ليس ملائما.. كيف تريدين أن تكوني عضوا في البرلمان، وأنت زوجتي؟ لكن المفارقة انها بالرغم من كونها لم تشارك في هذه الانتخابات، إلا أن الكثير من الناس صوتوا لها، فعندما فتحت صناديق الاقتراع وجد الكثير من البطاقات كتب عليها: لطيفة، وليس هذا غريبا فقد كانت لطيفة تذهب مع مصطفى كمال في كل مكان في تركيا والخارج، في المناسبات الرسمية والترفيهية، وكان هذا غير عادي، ففي الدولة العثمانية لم تكن زوجة أو نساء السلطان يظهرن على الملأ. لكن لطيفة وكمال ارادا تغيير الصورة، وجعلا خروجها وتجولهما معا شيئا عاديا. كانا يذهبان معا إلى كل مكان، ويأكلان معا ويمارسان معا كل الأنشطة، مثل ركوب الخيل، ويقفان معا أمام الكاميرا. وبالتالي كان لابد ان ينتهي الفصل بين الرجال والنساء.
* ماذا كانت خلفيتها العائلية؟ ـ والدها كان تاجرا، ووالدتها كانت من عائلة ثرية جدا في تركيا. كانت الأسرة مكونة من 6 أبناء: 3 بنات، و3 أولاد. كل الأبناء نالوا تعليما جيدا جدا في الخارج، إلا انني اعتقد ان لطيفة كانت الأفضل تعليما بين البنات، كما ان شخصيتها كانت شخصية كاريزمية قيادية وصلبة وشرسة في الدفاع عن أفكارها، وهذا لأنها في أسرتها لم يتم أبدا قمعها، كانت حرة في التحرك وفي التعبير عن رأيها. وقد بدأ هذا منذ كانت طفلة صغيرة، فقد أراد والداها أن تنال البنات والصبيان في الأسرة نفس التعليم، لم يكن لديهم فكرة أن تعليم البنات يجب أن يكون مختلفا عن تعليم الصبيان. فمثلا أجادت لطيفة الانجليزية وهي تبلغ من العمر 3 أو 4 سنوات، لأن أستاذا من انجلترا جاء ليعملها الانجليزية في منزل والدها في تركيا، فعندما يكون لديك مال تكون الأمور مختلفة. كما انه في السنوات الاخيرة من السلطنة العثمانية بدأت حركات التعرف على الغرب. كانت البورجوازية التركية منفتحة على العالم وتسعي للتحديث وكثيرة السفر للدول الأوروبية، لكن لطيفة لم تكن شخصية غربية الثقافة، بل متنوعة الثقافة، فقد كانت تلم بلغات شرقية مثل العربية والفارسية. وفي طريقة لبسها وسلوكها وطباعها خلطت بين الثقافتين الغربية والشرقية وساعدها انها كانت ذكية وصغيرة في السن.
* لطيفة هانم تبدو مختلفة بشكل كبير عن غالبية النساء التركيات في ذلك الوقت. فهل كانت النساء التركيات يدعمن لطيفة أم أن بعضهن لم يكن معجبا بسلوكها الخارج عن التقاليد المتعارف عليها في ذلك الوقت؟ ـ كانت هناك نقاشات حولها. وكانت هناك انتقادات لها من نساء ورجال لأنها لم تكن تنادي مصطفى كمال بـمصطفى كمال افندم أو باشا، بل كانت تناديه أمام الجميع وعلى الملأ كمال فقط. أحيانا فقط كانت تناديه باشا وافندم لكن غالبا تناديه كمال فقط. وكانت الانتقادات لها هي أنها مدللة أكثر من اللازم لدرجة الافساد. لكنها لم تكن تكترث لهذه الاتهامات أو الانتقادات. لكن كما كان لها منتقدون، كان لها معجبات من بين النساء التركيات في ذلك الوقت اللواتي اعجبن بها وبسلوكها، مثلا النساء الأرستقراطيات دائما ما كانت لطيفة تتمتع بينهن بشعبية كبيرة. فكما قلت حركة النساء التركيات بدأت في السنوات الاخيرة للسلطنة العثمانية، وعندما قامت حركة الاصلاح الدستوري، ثم حرب التحرير الوطني، كانت النساء جزءا منها. وكانت هذه مرحلة التحول الاجتماعي في تركيا. طبعا كان البعض يعارض هذه التحولات، لكن مصطفى كمال كان مصمما على إحداث تغيير في المجتمع وكان ذو شخصية كاريزمية فريدة مما مكنه من التحرك للأمام، فيما المعارضون له كانوا يقولون إنه يسمح لزوجته بالخروج "عارية" لأن لطيفة لم تكن ترتدي الحجاب على رأسها، لكن هذا ظلم، فقبل أن تتزوج لطيفة مصطفى كمال كانت لا ترتدي غطاءا على رأسها مثل كل بنات الطبقة البورجوازية المتعلمة، أو ترتدي غطاء شعر صغيرا جدا لأنها كانت تقضي وقتا طويلا في مدينة ازمير، وهي مدينة اكثر تحررا من باقي المدن التركية بسبب وجود أجانب وأقليات فيها. لكن بعد الزواج، واحتراما لموقع زوجها كانت ترتدي دوما غطاء يغطي شعرها، ولم تعد ترتدي الملابس التي كانت ترتديها قبل الزواج.
* تقولين إن لطيفة ومصطفى كمال تشاجرا عندما لم يسمح للطيفة بالترشح للبرلمان. لكن بعد سنوات قليلة من هذا منحت المرأة التركية حق الترشح والتصويت، فهل تعرفين تأثير لطيفة على تشريع هذه القوانين؟ ـ في حدود المصادر التي جمعتها في الكتاب، أستطيع ان أقول إن بصماتها واضحة جدا في القانون المدني التركي الذي تم اعتماده عام 1926 بعد طلاقها من اتاتورك. ففي القوانين التي كان معمولا بها في زمن الدولة العثمانية لم يكن من حق المرأة الطلاق، كما كان من حق الرجل الزواج من أربع زوجات. هذا القانون تغير عام 1926، وكانت لطيفة مطلعة على مواده خلال التحضير له بسبب معرفتها بالقانون، وكانت عينها على التغييرات التي تناقش. وقد تم اعتماد القانون السويسري كأساس لقانون الأحوال المدنية التركي. وكانت لطيفة على دراية كذلك بالقانون الألماني، فخرج القانون التركي متأثرا بكلاهما. لكن المأساة والمفارقة ان طلاق لطيفة من مصطفى كمال لم يتم وفقا للقانون المدني الذي ساهمت في اقراره، بل تم برسالة طلاق أرسلها لها مصطفى كمال إلى بيتها على يد مسؤول من الدولة. طلاقها بقرار حكومي جعل لطيفة تشبه طلاق اتاتورك لها بطلاق نابليون لجوزفين. كما ان المفارقة ان الطلاق لم يتم كما تم الزواج، فقد تزوجا زواجا مدنيا. كلاهما جلس على الطاولة، ووقع كلاهما أوراق الزواج. وكانت لطيفة موكلة نفسها، وليس والدها. وفي صباح اليوم التالي خرجت كل الصحف التركية تتحدث عن الطريقة التي تم بها الزواج. فحتى ذلك الوقت كان الأب هو وكيل العروس، والذي ينوب عنها في مراسم الزواج، وإذا لم يكن الوالد يكون الأخ الاكبر. كانت هذه هي المرة الأولى التي تمثل فيها إمرأة في عقد الزواج.
* عندما تنظرين إلى نوع العلاقة بين مصطفى كمال ولطيفة هانم، هل تعتقدين أن مصطفى كمال شعر أحيانا بالغيرة من لطيفة بسبب استقلاليتها وشخصيتها الصلبة؟ ـ لا.. مصطفى كمال كان يحب هذه الصفات في لطيفة. كما انه كان واثقا من نفسه بلا حدود، فهو الرئيس وقائد حركة التحرير الوطني ومعبود الاتراك، كما كان يحب الشخصيات التي تشكل له تحديا ذهنيا، لا يحب دائما سماع كلمة "نعم". وكانت لطيفة موجودة حوله ومعه وتقول دوما وبصراحة أفكارها وما تعتقده. أفكارها كانت ليبرالية جدا. واعتقد أنه اعجب جدا بهذا التحدي الذهني الذي تشكله لطيفة. خلال سنواتها في القصر الرئاسي كانت لطيفة تناقش الحضور، وتتحدث بلا أي مشكلة 5 لغات. واعتقد ان مصطفي كمال وجد في لطيفة شخصا مثيرا للاهتمام. لكنها بالاضافة إلى كل هذا كانت سيدة جذابة، ذات انوثة. وبالرغم من أن الكتابات التركية وصفتها دائما بأنها كانت سيدة غير جميلة، إلا انني عندما قرأت ما كتبه عنها الصحافيون الفرنسيون والاميركيون والبريطانيون في ذلك الوقت، وجدت انهم وصفوها بأنها كانت سيدة جذابة جدا، صغيرة الحجم، جميلة الملامح، بعينين واسعتين سوداوتين، وعندما تنظر في الصور تري انه ليس في ملامحها شئ قبيح، بل عينان جميلتان. لكن الاهم انه عندما كانت تتكلم وتتحرك وتناقش كان يظهر جمال لا تنقله الصور التي اخذت لها، كان في شخصيتها شئ جذب الجميع اليها.
* لماذا وكيف حدث الطلاق بينهما؟ وماذا كان تأثيره على كل منهما؟ ـ هذه قصة حزينة، فكلاهما لم يفصح ابدا عن سبب الطلاق حتى وفاتهما. وحتى اليوم سبب الطلاق ما زال غير معروف، فهذا سر ظل بينهما. كلاهما تأثر بالطلاق وكان حزينا، لكن اعتقد ان لطيفة عانت من الوحدة بعد الطلاق، وكانت أكثر حزنا. أحد اصدقاء مصطفى كمال قال لي إن مصطفى كمال كان يبكي بعد الطلاق. كان هذا الصديق مع مصطفى كمال عام 1925 في قصر الرئاسة في تشانكيا بعد 3 أشهر فقط من الطلاق، وقال إن مصطفى كمال كان مكتئبا، وكان يذهب إلى غرفته ليبكي لأن لطيفة لم تعد موجودة في حياته. ورغم محاولات المصالحة، لم يعودا إلى بعضهما البعض.
* هل تعتقدين ان لطيفة حصلت على التقدير الذي تستحقه بسبب تأثيراتها على قانون الأحوال المدنية، ودورها في منح النساء التركيات حقوقهن بالرغم من انها لم تبق في القصر الرئاسي سوي عامين ونصف فقط؟ ـ بعد نشر كتاب "لطيفة هانم" تغيرت الصورة المأخوذة عنها، وحظيت لطيفة هانم بالاحترام، فقبل ذلك كانت صورتها لدينا نحن الاتراك انها سيدة مدللة جدا، تمر بحالات انهيار هستيرية، تطرق على الجدارن وتصرخ على مصطفى كمال وهو يتناول العشاء مع اصدقاء.
* هل كانت تفعل هذا احيانا؟ ـ ربما فعلته مرة. كانت البيوت القديمة من الخشب، وتنقل الصوت بسهولة. واحدة من الحوادث المعروفة أنها سارت في غرفتها بحدة وهي تضغط على حذائها مما جعل الموجدين في الدور الارضي يسمعون، لكنها فعلت هذا احباطا وغضبا، فدائما كان العشاء في القصر الرئاسي، عشاء للرجال فقط،. حاولت لطيفة ان تنضم لهم مرات، لكن هذا لم يكن دائما سهلا أو مقبولا. لكن يجب فهم الحالات التي كانت تنتاب لطيفة ليس بوصفها زوجة مصطفى كمال، لكن بوصفها ثاني أقوى شخص في الجمهورية التركية، فقد كانت سيدة نافذة وذات قوة. أرادت ان تكون في البرلمان لتفعل شيئا مفيدا للتركيات، لكن لم يتم منحها هذه الفرصة، ومن هنا كان سبب التوتر.
* بعد كتابك "لطيفة هانم" كيف أصبحت صورة لطيفة هانم لدي الاتراك؟ ـ تغيرت صورة لطيفة لدى الاتراك وحظيت بالاحترام. الناس لم تعد تنظر اليها بنفس الطريقة القديمة. الاتراك عموما احترموا في لطيفة انها لم تتحدث ابدا للاعلام حول مصطفى كمال وسبب طلاقهما. جاء اليها الكثير من الصحافيين وطلبوا منها ان تتحدث حول مصطفى كمال وسنواتها في قصر تشانكيا، وكانت دائما ترفض. طلبوا منها نشر مذكراتها ورفضت، لم تقبل ابدا هذه العروض ولم تتحدث ابدا حول مصطفى كمال. هذه الحقيقة جعلت الناس يقولون: ان لطيفة قد لا تكون سيدة كاملة المواصفات لكنها لم تتحدث ابدا بعد وفاة مصطفى كمال. وهذا غريب من وجهة نظري فقد كان يمكن ان تتحدث حول علاقاتها بمصطفى كمال من دون ان تكون اقل احتراما. المهم ان الاتراك احترموها جدا لهذه الحقيقة، فكل المقربين من اصدقاء مصطفى كمال كتبوا ونشروا مذكراتهم. هي الوحيدة التي لم تفعل هذا. تركت لطيفة مذكرات ومراسلات كثيرة وأوراقا شخصية، الا ان مؤسسة التاريخ التركي تحتفظ بهذه الأوراق. فقبل وفاتها مباشرة، وضعت لطيفة كل أوراقها في حقيبة وحفظتها في صندوق سري بأحد البنوك، وبعد وفاتها قام البنك بإعطاء هذا الصندوق الى مؤسسة التاريخ التركي، وهذه الأوراق محفوظة في المؤسسة ولم يسمح لاحد بالاطلاع عليها. أراد الرئيس التركي السابق، احمد نجدت سيزر الاطلاع عليها، لكن المؤسسة لم تسمح له، فوفقا للقانون لا يسمح بفتح الصندوق الا بعد مرور فترة زمنية معينة. مرت هذه الفترة الزمنية وكان مقررا فتح الصندوق في عام 2003، وساعتها دار جدل ساخن في تركيا حول ما اذا كان ينبغي فتح الصندوق والإطلاع على الاوراق، ثم تدخلت اسرة لطيفة هانم في هذا الجدال، ورفضت فتح الصندوق. فتم اغلاق الجدل حول الموضوع وما زالت الاوراق محفوظة في مؤسسة التاريخ، لكنني لا اعتقد ان سبب إبقاء سرية الاوراق هو موقف أسرة لطيفة هانم، فالدولة التركية نفسها لا تريد حقيقة فتح الصندوق والإفراج عن الأوراق للمؤرخين والصحافيين. السؤال: لماذا؟ هناك طبعا موضوع صورة مصطفى كمال. فرواية تاريخ تلك الفترة، كما تري الدولة التركية، من وجهة نظر امرأة مطلقة مجروحة قد يصيب صورة مصطفى كمال ببعض الضرر. لكن انا استغرب طريقة التفكير هذه. هناك مؤرخ تركي كبير معروف مات منذ عامين أطلع على هذه الأوراق عندما أعطاها البنك للمرة الاولي الى مؤسسة التاريخ. هذا المؤرخ قال انه:"بدون قراءة هذه الأوراق.. لا نستطيع كتابة تاريخ حرب التحرير، وميلاد الجمهورية التركية".
* بعد الطلاق اختفت لطيفة من الحياة العامة.. فكيف قضت بقية حياتها؟ ـ هذه قصة حزينة جدا.. لقد اصبحت أمراة غير مرئية، ومرضت جدا بعد الطلاق.
* ما هو عمرها عند الطلاق؟ ـ 26 عاما. بعد الطلاق ذهبت الى اوروبا بإذن خاص من مصطفى كمال. ثم عادت الى تركيا، وبعد ذلك أخذ منها جواز سفرها كى لا تتحرك كما تريد. وفي عام 1933 استعادت صحتها. وعندما بدأ عدد من الأتراك حركة سياسية لإنشاء حزب ثان في تركيا بالاضافة الى حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك، انضمت لطيفة الى هذه الحركة التي كانت تضم اصدقاء لها عندما كانت في القصر الرئاسي في تشانكيا، وتم انشاء الحزب، لكن الحزب سرعان ما قرر انهاء نشاطه لان تركيا لم تكن مستعدة في ذلك الوقت لانشاء حزب سياسي ثان ينافس حزب الشعب الجمهوري. واعتقادي انه لو طال عمر هذا الحزب لوجدت لطيفة هانم دورا جديدا، فمؤسسو الحزب طلبوا من لطيفة الانضمام له، وكانوا يسألونها عن افكارها وما الذي تعتقد أنه ينبغي عمله لتأسيس الحزب. فموقع لطيفة داخل النخبة التركية ظل قويا بعد الطلاق لدرجة ان الصحف الغربية بعد وفاة اتاتورك كانت تتحدث عن احتمال خلافة لطيفة له في حكم تركيا. بعد عام 1933 عانت من صدمات كثيرة. توفي والدها، وتوفيت والدتها، ثم توفي شقيقها الاصغر، وتدريجيا اصبحت أكثر فأكثر غير مرئية. وللخروج من عزلتها، طلبت من اتاتورك ان يعطيها عملا في الدولة، طلبت ان تعمل دبلوماسية في أحد السفارات التركية بالخارج، لكن لم يستجيب اتاتورك لطلبها، وبالتالي اصبحت كل دائرة حركتها هي معارفها وأصدقائها، بالاضافة الي عصمت انونو، نائب أتاتورك وأقرب اصدقاءه اليه، وزوجته. فقد كانت لطيفة هانم صديقة مقربة لهما.
* بالرغم من مصطفى كمال اتاتورك ولطيفة هانم لم يكشفا ابدا سبب الطلاق لاي شخص. هل ساعدتك عملية التنقيب التي اجريتها على حياة لطيفة هانم وعلاقاتها بمصطفى كمال على استنتاج سبب الطلاق او الطرف الذي طلبه؟ ـ في الواقع لطيفة هانم هي الشخص الذي طلب الطلاق. طلبته 3 مرات. لكن شعرت بالندم بعد طلب الطلاق. هي قررت انها لن تستطع مواصلة الحياة مع مصطفى كمال بهذه الطريقة لانها لم تتمكن من فعل الاشياء التي تريدها. عندما طلبت الطلاق في المرة الاولى، انفصلت هي ومصطفى كمال بدون طلاق لبعض الوقت، لكن بعد شجار عنيف في تشانكيا حدث الانفصال مجددا، وفي هذا الصدد تقول اسرتها انها هي من قرر المغادرة، لكن المصادر الرسمية التركية تقول ان مصطفى كمال ارسلها الى منزل اسرتها في ازمير. على كل الحالات غادرت الى ازمير ولم يكن الطلاق قد تم، ثم لاحقا كتبت الى صديق مقرب منها ومن مصطفى كمال انها تريد العودة الى تشانكيا، لكنه خلال هذه الاثناء ارسل لها مصطفى كمال ورقة الطلاق من الدولة التركية الى منزل اسرتها.
* هل كان في حياة اتاتورك نساء اخريات غير لطيفة هانم؟ ـ ليس هناك الكثير الذي كتب حول نساء في حياة اتاتورك عندما كان متزوجا من لطيفة. لكن من المعروف عن لطيفة انها كانت امراة غيورة جدا. فهناك روايات من اشخاص يعرفون مصطفى كمال ولطيفة يقولون انها احيانا كانت تقوم بفتح خطاباته. هي كانت معه وحوله في كل مكان في المكتب، في المنزل. عندما حدث الطلاق، تبنى مصطفى كمال 5 ابناء وعين مربيات لهم، ليملأ الفراغ الذي تركته لطيفة، فهي كانت في ديناميكية 10 او 15 شخصا. كانت تقوم بنفسها بإدارة شؤون المنزل، وتنظيفه. كانت لدى مصطفى كمال مديرة منزل سويسرية، قال له مرة عندما شاهدها تحمل فرشاة لازالة الغبار: مدام لماذا تنظفين؟ لقد قامت لطفية بتنظيف كل شئ. لقد افتقد مصطفى كمال لطيفة بعد الطلاق. لكنه تعرف على سيدة تركية تدعى فكرية، لم يتزوجها، لكن كان معروفا انها تعيش معه.
* عندما كنت تكتبين عن حياة لطيفة هانم، لابد انك كونت رؤية حول تاريخ تركيا في ذلك الوقت وتحول الدولة العثمانية الى جمهورية تركيا. كيف تصفين هذا التحول من الامبراطورية العثمانية الى الجمهورية؟ ـ تحول به تعرجات كثيرة. ففي البداية كانت لدينا ديمقراطية الحزب الواحد، وبالتالي كانت هناك قيود على الديمقراطية، ثم تعددت الاحزاب، لكن ظلت هناك قيود. فيما يتعلق بالنساء ظلت هناك قيود ايضا وصور نمطية.
* ما هي اكثر مقولة للطيفة هانم مثيرة للاهتمام في رأيك؟ ـ هناك اشخاص لابد أن يموتوا لكي يدرك الناس قيمتهم.
* غدا :
ديار بكر تتحدث عن نفسها
تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة 8) ـ أبو الأتراك.. أتاتورك الذي قلب المجتمع والدولة رأسا على عقب.. ما زال كثيرون يفتقدونه ويخشونه تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة 7) ـ الاستثناء التركي تركيا من أتاتورك الى أردوغان(الحلقة 6) ـ الرجل الذي يحبه أتراك... ويخافه أتراك
تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة 5) ـ الإسلام في تركيا بين العباءة.. والبدلة
تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة 4) ـ مساجد تركيا .. بين الرجال والنساء
تركيا من أتاتورك الى أردوغان (الحلقة 3) ـ أبو الإسلام السياسي التركي.. الذي لا يتعب
تركيا من أتاتورك الى أردوغان الحلقة (2): حرب الأشقاء.. وخلافات الإسلاميين
تركيا من أتاتورك الى أردوغان ـ دولة واحدة .. وهويات متعددة (1).. (الدولة الأبدية) في مهب رياح الشرق الأوسط .. والصراع بين العلمانيين والإسلاميين