ثقافة وأدب

سليم البصون

أبو نواس

27/08/2012 21:08
     لم يكن الحسن ابن هاني ـ المكنى بأبي نواس ـ نديم الرشيد وصاحب النادرة والطرفة فحسب ، وإنما كان شاعرا بارعا ، وقد أفاد الفكر العربي في نوادره وأشعاره ، فأضاف الى هذا الفكر زادا  ثقافيا من لون خاص يتناوله الناس من جيل الى جيل .
     وهذه أعزائي ، نادرة أخرى من نوادر أبي نواس تلك التي تجمع بين الحكاية والطرفة الأدبية .
     أجتمع يوما أبو نواس وأبو العتاهية ودعبل ، وبينما هم يتحدثون أقبلت فتاة حسناء كأنها البدر المنير مكللة بالزبرجد ، موشحه بالعسجد ، محلاة بالثمين من الحلي والجواهر ، تهتز دلالا كأنها نشوى ، وكانت ترتدي ثلاثة أثواب من الحرير الأول أبيض والأوسط أسود والأسفل أحمر، وكل واحد يقصر عن الأخر قليلا ليظهر لون الذي يليه ، فقال أبو نواس : ليصف كل منا ثوبا من هذه الأثواب الثلاثة لنرى من هو أشعرنا . فقال أبو العتاهية في الثوب الأول الأبيض :
          تبدي فـــي ثياب مــــن بياض           بأجفان وألحاظ مـــــــراض
          فقلت لـــه عبرت ولــــم تسلم           وانـــــي منك بالتسليم راض
          تبارك من كسا خديـــك وردا           وقدك ميــل أغصان الرياض
          فقال: نعم كسانـــي الله حسنا            ويخلق ما يشاء بلا اعتراض
         فثوبي مثل ثغري مثل نحري            بياض في بياض فــي بياض

وقال دعبل في الثوب الأسود :
          تبدي فـــــي السواد فقلت بدرا          تجلى في الظلام على العباد
          فقلت له: عبرت ولــــــم تسلم          وأشمت الحسود مع الأعادي
          تبارك مــــن كسا خديك وردا          مدى الأيام دام بلا نفــــــــاد
          فقال : نعم كسانـــي الله حسنا          ويخلق ما يشاء بلا عنــــــاد
          فثوبك مثل شعرك مثل حظي          سواد في سواد فــــــي سواد

وهنا جاء دور أبو نواس فقال : في الثوب الثالث وهو الأحمر:
          تبدي في قميص اللاز يسعى       عذولي لا يلقب بالحبيب
         فقلت مــن التعجب كيف هـذا        لقد أقبلت في زى عجيب
         أحمرة وجنتيك كستك هـــــــــذا      لم أنت صبغته بدم القلـــــوب
          فقال: الشمس أهدت لي قميصا      قريب اللون من شفق الغروب
          فثوبي والمدام  ولون خــــــدي      قريب من قريب مـــــن قريب

     فلما فرغ الشعراء الثلاثة من إنشادهم وكانت الجارية الحسناء تصغي إليهم اقتربت منهم وأقرأتهم السلام فردوا عليها بحفاوة ، فسألتهم ما الخبر؟
     فأخبروها بما حصل فقالت : لقد أجاد صاحبكم وأشارت الى أبي نواس ، ثم سارت في شأنها تاركة أياهم في حيرة من حكمها .
                                          ــــــــــــــــــــــــ
بقلم المرحوم سليم البصون
قدمت من دار الإذاعة الإسرائيلية من "أورشليم "القدس في 26/3/1978
   

مشاهدة الموقع بالنسخة العادية