ضريح الشاعر مصطفى جمال الدين في دمشق بغداد "المركز الخبري لشبكة الاعلام العراقي(IMN )" - شهدت المنافي العراقية الممتدة بين جهات العالم الاربع، المتشكّلة عبر هجرات عراقية متتالية الى الخارج، نهايات مطافات الحياة لنخب عراقية ابدعت في الثقافة والفن والأدب مثلما في العلوم والهندسة.هذه النخب، حلمت ذات يوم بالعودة الى الوطن، ولسان حالها يقول" حتام أحيا غريبا.. بلا وطن "، حين كانت غاية المنى ان يدفن الغريب "نفسه" في تراب الوطن ليس الا، مثلما قال رشيد الخوري ذات يوم " بنتَ العروبةِ هيّئي كفني... أنا عائدٌ لأموتَ في وطني". لكن الاقدار تشاء، فتفعل مالا ينتظره الانسان، فتفاجئه النهاية من حيث لا يتوقع، ليُدفن هناك في المنافي غريباً، عن الاهل والأصدقاء وأبناء الوطن.وهكذا فعل الزمن، مع العراقيين، لتبقى قبورهم الموزّعة بين البلدان شاهداً على مرورهم من هنا، واقامتهم هناك.وليست هجرة العراقيين بحديثة أو طارئة، فقد بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي، طلباً لأسباب الرزق أو لعوامل سياسية واجتماعية، لاسيما الى بلدان الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة حيث الترف الاقتصادي، والتطور العلمي الذي ميّز هذه البلدان عن غيرها، وجذب المهاجرين اليها من مختلف بقاع العالم.
ويقول يوسف حنا، المسيحي العراقي الذي يقيم في هولندا من العام 1950، لـ"الصباح"، إن هجرته التي كان سببها الدراسة، تمخّضت عن مشروع الاستقرار في هذا البلد بعد حصوله على شهادته الجامعية، ولم تتح له زيارة العراق طوال هذه الفترة الا مرة واحدة، في العام 1979.
وعلى رغم ازدياد هجرة العراقيين منذ نهاية السبعينيات حتى بلغت حدودها القصوى في تسعينيات القرن الماضي، وارتفاع معدلاتها طيلة السنوات الماضية، حيث اتاح المنفى للبعض، استقراراً نسبياً، اقتصادياً واجتماعياً، لكن جلّهم ظلوا تواقين الى العودة، ولو جثة هامدة تحملها الآلة الحدباء الى الوطن ليدفنوا في ترابه.
وخلال عقود الزمن الدكتاتورية في العراق، وفترات الاضطراب السياسي،مقرونة بفضول الانسان الطبيعي في التعرف على العالم المتقدم، تشكّلت قوة دافعة ذاتية في النفس تدفع الى الهجرة بغية الاستكشاف والتعلم وتحسين الحالة الاقتصادية وتوقاً الى الحرية.
قبر الجواهري.. مرارة الغربة
وأقرب هذه الهجرات زمنيا، انفراط عقد شعراء عراقيين من جِيد الوطن، إلى المنافي، كان ابرزهم شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري، حيث ما زال قبره الى الآن يرمز الى مرارة الغربة العراقية.
خرج الجواهري من وطنه لآخر مرة، ودون عودة، في أوائل العام 1980، سائحا "مضطرا"، بين دول وبلدان حتى استقر به المقام في دمشق التي فضّلها الكثير من العراقيين، مستقراً، لمجاورتها بغداد، ومشابهتها لها حيث امضى فيها بقية حياته حتى توفي في مَشفى هناك العام 1997 عن عمر يناهز الثامنة والتسعين، ونُظّم له تشييع رسمي وشعبي مهيب، ليدفن في مقبرة "الغرباء" في منطقة السيدة زينب في ضواحي دمشق إلى جوار زوجته "أمونة جعفر الجواهري"، التي وافاها الأجل العام 1992، تغطي قبره حجارة كرانيت رسم عليها خارطة العراق تحتضن عبارة " الجواهري يرقد هنا بعيداً عن دجلة الخير".
البياتي وقبر بن عربي
وخاض الشاعر عبد الوهّاب البياتي (1926 - 2001) جولات كثيرة في عواصم العالم، فقد اقام في اسبانيا في الفترة (1980-1970)،وفي العام 1991 توجّه إلى الأردن، ومنها إلى الولايات المتحدة الاميركية قبيل حرب الخليج الثانية بسبب وفاة ابنته نادية التي تسكن في كاليفورنيا، ليقيم هناك لعدة أشهر، بعدها توجّه للسكن في العاصمة الاردنية عمّان، ثم غادرها إلى دمشق وأقام فيها نحو تسعة أشهر حتى وفاته .
ويذكر الباحث العراقي حسن العلوي، ان البياتي كان يردد دائماً امنيته في ان يدفن الى جانب الشيخ محيي الدين بن عربي في دمشق وهو ما أكده الكاتب والباحث العراقي المقيم في اوسلو هادي الحسيني لـ" الصباح " الذي عايش البياتي طيلة سنوات حين كان يقيم في عمان.ولم يكن البياتي يعرف ان بن عربي مدفون في مكان خاص، ليظل حاملو نعشه في حيرة، حتى اضطروا الى دفنه في أقرب مقبرة دمشقية.
سركون بولص.. الموت وحيداً
واختار الشاعر سركون بولص، مضطراً بقعة في الولايات المتحدة الاميركية مكاناً لرقدته الابدية في مقبرة تورلاك، في ضواحي مدينة سان فرانسيسكو التي عاش فيها لأكثر من نصف قرن.
وتحققت مخاوف بولص من الموت وحيداً، غريباً بعيداً عن الوطن، لا يزور قبره ابناء وطنه لبعد المشوار وقلة الزاد، وما برح صديقه الشاعر جاك هيرشمان الذي كان يبادله الانخاب والقصائد في حي "نورث بيتش" الشهير، يزور قبره بين الفينة والأخرى.
قبر نازك الملائكة في القاهرة
لم تكن تتمنى الشاعرة العراقية نازك الملائكة (1923 - 2007) سوى ان تموت في وطنها، لولا الظروف التي اجبرتها على ان توصي بدفنها في القاهرة، فشُيعت من مسجد الأميرة "عين الحياة" المعروف شعبياً باسم جامع "الشيخ كشك"، الى مرقدها الاخير، بجانب قبر زوجها الراحل الدكتور عبد الهادي محبوبة.
وسعت الحكومة العراقية، بحسب الكاتب والباحث العراقي صادق الطائي الى اقناع أسرة الملائكة بدفنها في بغداد، لكن نجلها البراق عبد الهادي أكد له أنه لا بد من تنفيذ وصية والدته.
وكانت الملائكة وزوجها غادرا العراق إلى الاردن في العام 1995 لأسباب صحية، بعدما حالت ظروف العقوبات الاقتصادية على العراق، دون تلقيهما العلاج اللازم لأمراض ترتبط بالتقدم في السن، فتوجها إلى مصر في العام 1998. وفي العام 2000 غيّب الموت عبد الهادي محبوبة عن عمر يناهز الخامسة والثمانين.
ويذكر الكاتب حسونة المصباحي، ان الأزمنة الملتبسة، والمأساويّة، تشهد موت الشاعر أمّا منتحراً أو مقتولاً أو مشرّداً، ضائعاً في بلاد لا يعرفه فيها أحد.
وزاد في القول" ولأن الزمن العراقي منذ الثمانينيات من القرن الماضي، زمن أسود، ومرعب، فإنّ الشعراء الذين أسّسوا القصيدة العربيّة الحديثة، وأرسوا دعائمها في مقاهي وحانات بغداد العتيقة أواخر الأربعينيات، وأوائل الخمسينيات، دفعوا الثّمن غالياً".
مصطفى جمال الدين.. قبر جميل
ولم تفلح جهود اقناع اسرة الشاعر العراقي الراحل مصطفى جمال الدين( 1927 - 1996) بنقل رفاته من دمشق الى النجف، لأسباب منها ان الضريح المميز بمعماره وشكله ونقوشه اصبح مزارا لمختلف الجنسيات، فضلا عن ان الشاعر الراحل لم يذكر في وصيته بنقل رفاته خارج دمشق التي يعتز بها و بأهلها، بحسب نجل الشاعر محمد.
بل ان نجل الشاعر ذهب في القول الى ان "بقاء قبر الراحل ومثله قبر الجواهري في دمشق، تذكير بقسوة السياسة على الابداع والمبدعين ". لكن قبر جمال الدين ليس كأي قبر فهو آية في المعمار والتصميم، توشح بقلائد من شعره، وعلى واجهة الضريح مطلع قصيدته (بغداد ما اشتبكت عليك الاعصر.. الا ذوت ووريق عمرك اخضر)، كما نُقِش 300 بيت مختارة من شعره على الرخام.
جان دمو.. ثرى سدني
ويقول الكاتب والشاعر هادي الحسيني لـ " الصباح " ان جان دمو وبعد سفره من عمّان الى استراليا، صاحَبَ رساماً استرالياً في سدني فكانا يجلسان يومياً عند البحر ويشربان الخمر، لأكثر من ثلاث سنوات.
وفي العام 2003، مات جان دمو في سدني ودُفن في واحدة من مقابرها، ومازال صديقه الاسترالي يجلس في ذلك المكان المطل على البحر، يستذكر جان دمو الذي رحل لكثرة افراطه في الخمر.
بلند الحيدري.. نيويورك آخر المطاف
ودُفِن الشاعر العراقي الكردي بلند الحيدري ( 1926 – 1996 ) الذي عُرف بطول منفاه وقسوته عليه، في نيويورك بعد معاناة مع المرض اضطره الى المكوث في مستشفى هناك، حتى توفي.
راسم الجميلي.. اختيار صعب
توفي الفنان العراقي راسم الجميلي ( 1938 - 2007 ) في دمشق بعدما اضطرته الحاجة والظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي عاشها في العراق الى الهجرة.
وقبل وفاته، كان يردد دائما خشيته من الموت غريبا، وهذا ما حصل. فقد باغته المرض، وعلى أثر إصابته بالعجز الكلوي توفي وهو في سن الـ 69 عاما ودُفن في مقبرة الغرباء في سوريا. ويرى الكاتب سيف الله علي ان ذوي المرحوم الجميلي تعرضوا للخداع لأسباب سياسية حين رفضوا عرض الحكومة العراقية نقل جثمانه الى العراق على نفقة الدولة ليدفن في وطنه.
عبد الأمير جرص.. مقبرة ادمنتون
وفي خضم الهجرة الكبيرة لمبدعي العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، كان للشاعرعبد الامير جرص نصيب من الغربة، منذ وصوله الى كندا العام 2001، فما لبث حتى سقط من دراجته وأحدث شرخاً في رأسه، الامر الذي ادى الى وفاته في الحال ليُدفن في مقبرة بمدينة ادمنتون.
عارف عبد الرزاق.. في بلاد الانكليز
ويروي الكاتب والإعلامي العراقي المقيم في لندن اسامة مهدي في حديثه الى " الصباح"، ان عارف عبد الرزاق رئيس وزراء العراق الأسبق كان يشارك ايامه الاخيرة في نشاطات العراقيين الثقافية والسياسية حيث يقيم في بريطانيا بمدينة ريدنغ، خارج لندن، لكن مرضه اعجزه عن مواصلة لقاءاته بشكل واسع حتى وفاته.
وتوفي عبد الرزاق في مدينة ريدنغ العام 2007 عن عمر 85 عاما، بعد مسيرة ثقافية وسياسية حافلة. وكان رئيسا للهيئة العامة لاجتماع المعارضة العراقية في لندن العام 1993، وظل ناشطا سياسيا معارضا حتى العام 2003.
ويستطرد مهدي في القول:" مدن بريطانيا تضم بين جنباتها الكثير من قبور نخب العراق السياسية والثقافية والعلمية والأكاديمية، يصعب استحضار اسمائهم جميعا، ومنهم الشاعر شريف الربيعي، وقيادي في الحزب الشيوعي لقبه الراوي، نسيت اسمه الاول".
يوسف عز الدين.. ألم الفراق
وظل العلامة العراقي الدكتور يوسف عز الدين طوال فترة اقامته في بريطانيا متذكراً العراق، متألماً من ألم فراق بلاده التي احبها، وكانت غاية النفس ان يعود الى بلاده ليُدفن فيها كما كان يردد دائما، لكن ذلك لم يتحقق ليموت في البلاد البعيدة عن عمر يناهز الـ91 عاما ويدفن في بلاد الانكليز العام 1922.
وعز الدين اديب كبير، وناقد بارع، وشاعر وقاص، وأستاذ جامعي متميز،وأمين سابق للمجمع العلمي العراقي، من مواليد بعقوبة بمحافظة ديالى و حاصل على شهادة دكتوراه فلسفة الاداب من جامعة لندن العام 1957.
عمل في الصحافة والمناصب الحكومية والجامعات والدراسات الاكاديمية، كما ساهم في تطوير الحياة الأدبية والفكرية في العراق والعالم العربي حيث كان عضوا في عدد من مجامع اللغة العربية. وله دواوين ومؤلفات في الادب والفكر.
أمير الدراجي: ادفنوني في هذه الأرض
لكن الكاتب امير الدراجي الذي دُفن في النرويج العام 2009، كانت له مع الموت قصة مختلفة بحسب هادي الحسيني الذي لازم الشاعر في ايامه الاخيرة، فقد كان الدراجي يعاني من أزمات مرضية، جسدية ونفسية تراوده بين الحين والآخر،وأسرّ الدراجي للحسيني بأنه لا يجد أجمل من أرض النرويج ومدينة " كونك سفنكر" حيث يقيم، مكانا يستريح به الى الابد من متاعب الحياة. وكانت كلماته الاخيرة بحسب الحسيني : ادفنوني في هذه الارض التي اعطتني كل شيء، ولم تأخذ مني شيئا.
عبد الرحمن عارف.. مع الجنود
توفي عبد الرحمن عارف الرئيس الثاني لجمهورية العراق، والحاكم الجمهوري الثالث منذ تأسيس الجمهورية (1916 - 2007) عن 91 عاما في مدينة الحسين الطبية في عمّان.
ويقول الطبيب العراقي المقيم في بلجيكا سعد الدليمي وعاصر الرئيس اثناء فترة اقامته في عمان وكان يكثر زيارته: ان ظروفاً عائلية بالدرجة الاولى،حالت دون
دفْن عارف في مقبرة شهداء الجيش العراقي شرقي المملكة في منطقة المفرق القريبة من الحدود الاردنية العراقية، بعدما أجريت له مراسم عزاء لائقة بمنصبه السابق كرئيس للجمهورية العراقية. وعبد الرحمن عارف أحد الضباط الذين شاركوا في ثورة 14 تموز 1958.
جدير بالذكر، ان مقبرة شهداء الجيش العراقي في المفرق تضم شواهد قبور الشهداء العراقيين الذين اشتركوا في حربي 1948 و1967، لكن الاندثار والإهمال محيا اسماء الكثير من الشهداء حتى اصبح من الصعوبة فك رموزها المنقوشة وفي تفسيره لموت المنافي يرى الكاتب حاتم حسن ان "من الطبيعي ان تتناسل مقبرة الغرباء الى مقابر, ولا يعدو موت المبدع في الادب والثقافة والفن اكثر من خبر".
على شواهد القبور. وهناك أيضاً مقبرة لشهداء الجيش العراقي في قرية "مثلث الشهداء"، جنوبي جنين في فلسطين.
بهنام أبو الصوف.. النهاية في عمان
ورحل في العاصمة الاردنية، عمّان في 19 / 9 / 2012 المؤرخ والآثاري العراقي بهنام ابو الصوف (1931 ) اثر أزمة قلبية عن عمر ناهز الثمانين عاما، لكنه لم يمت وحيدا اذ لاقى نبأ موته اهتمام العراقيين المقيمين في الاردن، وحرصت السفارة العراقية هناك على تأمين كل ما يلزم من تشييع وتأبين وعزاء تليق بعالم الاثار الكبير. وعلى رغم تقدمه في العمر، والمرض الذي الم به ظل ابو الصوف حتى في ايامه الاخيرة حريصا على المشاركة في الفعاليات حول الحضارة والآثار. وكان يفصح في ايامه الاخيرة عن رغبته العميقة في ان يسنح العمر والصحة في ان يشارك او يشهد اعمال التنقيب الكبرى في مدينة بابل الاثارية.
الرسن.. قبر الشيخ في اسطنبول
وتكشف تفاصيل مهملة في التاريخ ان شيخ قبيلة عراقي مدفون في مدينة اسطنبول التركية، وهو الشيح فهد سعدون الرسن، ابن رئيس عشائر الاكرع، وهي قبيلة شمرية تسكن في الأراضي الواقعة على جانبي شط الدغارة في محافظة الديوانية جنوبي العراق. واشتهر الرسن بمقارعة الأتراك فترة احتلالهم للعراق، مما دفعهم الى اعتقاله وإعدامه ليدفن في إسطنبول. وكان الحاج سعدون الرسن من أعلام ثورة العشرين.
محمود صبري.. راهب الفن
وعاش الفنان التشكيلي العراقي محمود صبري (1927) صاحب مانيفستو "واقعية الكم" واللوحات التي تصور نضال الشعب، المنفى بمراراته، حتى توفي في لندن العام 2012، بعدما ترك براغ التي قضى فيها شطرا من حياته. وبين الفينة والأخرى تزور اسرته القليلة العدد وأصدقاؤه من الفنانين المقيمين في لندن، قبره البعيد عن ثرى الوطن الذي أحب.
مير بصري.. بعيداً
وضم المنفى الابدي جثمان مير بصري، الأديب والشاعر والاقتصادي العراقي اليهودي المولود العام 1911 في بغداد.
ويروي حميد الصراف الذي ارتبط ببصري بعلاقة صداقة قبل رحيله العام 2005 لـ" الصباح " ان "بصري على رغم مغادرته العراق بشكل نهائي إلى بريطانيا العام 1974 لكنه ظل تواقا الى العودة الى العراق على رغم علمه ان الظروف السياسية والمتغيرات الاجتماعية وتراكم الاحداث سيحول
دون ذلك".
وولد مير لعائلة يهودية عراقية حيث كان والده شاؤول بصري تاجراً للقماش في بغداد ووالدته من عائلة دنكور التي ينتمي لها أكبر حاخامات يهود العراق.
وشغل مير العديد من المناصب في العراق منها منصب رئيس غرفة تجارة بغداد في العام 1943، وقبلها عمل مديراً عاماً في وزارة الخارجية العراقية. وظل مير بصري في العراق بعد الهجرة الكبيرة التي قام بها يهود العراق نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات مع ما يقارب العشرة آلاف يهودي آخر، حيث رفض فكرة الهجرة إلى إسرائيل. وقبيل مغادرته للعراق تبرع بمكتبته الشخصية والتي تضم نحو أربعة آلاف كتاب هدية للمكتبة الوطنية العراقية وهو صاحب العديد من المؤلفات باللغة العربية يبلغ عددها نحو الأربعين تتراوح ما بين الشعر والاقتصاد والتراجم والتأريخ. وبحسب الصراف، فان قبر بصري المدفون في لندن، يمثل رمزا مهما حول تشبث العراقيين بوطنهم على اختلاف دياناتهم وقومياتهم ووطنهم.
مقبرة العظماء
ومنذ العام 2003، يتداول مثقفون وأكاديميون عراقيون فكرة انشاء مقبرة العظماء في بغداد، تنقل اليها رفات العراقيين بالمنافي في شرق الارض وغربها، وتأسيس متحف لأعمالهم ومقتنياتهم.
وكخطوة اولى في المشروع، يقترح الشاعر والكاتب عبد الخالق كيطان حملة لإعادة رفات العشرات من المبدعين العراقيين الذين دفنوا في خارج العراق.
ويرى الكاتب والشاعر العراقي عباس الحسيني المقيم في كندا بحديثه الى " الصباح " ان مثل هذا المشروع لو تحقق، سيمثل عرفاناً وتوقيراً لأصحاب الكلمة، وسيعيد لهم هيبتهم وقيمتهم الانسانية والوطنيةً، وهو عمل تقوم به كل شعوب الارض".
هادي العلوي.. قسوة الاختيار
ولم يكن دفن هادي العلوي، (1933 - 1998) في دمشق مفاجأة في فترة زمنية كان يستحيل فيها العودة الى العراق حيث الحصار والحرب والقمع السياسي، فدفن في مقبرة السيدة زينب بدمشق التي احبها
كثيرا.
لكن هذا الحب لم يمنعه من الافصاح الى من حوله شوقه الى بغداد ورغبته في ان يرقد الى الابد تحت ثرى وطنه.
كان العلوي مفكرا موسوعيا، إهتم بالتراث العربي وقرأه قراءة ماركسية،وكان مهتما بالحضارة الصينية أيضا، الف الكثير من الكتب التي تدور حول الماركسية والتراث العربي. وعاش متنقلا بين الصين ولندن وبيروت ودمشق.