ثقافة وأدب

قراءة: جاسم الولائي

مرايا صغيرة على تجربة شيركو بيكس راعي القصائد وحكواتي الأطفال والأشجار

07/08/2013 21:13
أواخر عام 1988، وبعد صدور مجموعة "مرايا صغيرة"، وهي أول مجموعة مترجمة إلى اللغة العربية، اجتذب الشاعر الكردي شيركو بيكس اهتمام القارئ العربي في دمشق إلى عمق جديد لبيئة القصيدة باعتبارها نتاجًا إنسانيًا، قبل أن يجتذب الاهتمام إلى القصيدة الكردية ذاتها، وهو العمق الكردستاني، بما يزخر فيه من تراكم تراثي وحضاري، ويعيش فيه من تقاليد ما زالت تملأ حيزها بجدارة، وتلعب دورها الاجتماعي الخطير، وتأخذ دورها من التمسك والتقدير لدى الكرد.
وفي عام 1997 دُعي بيكس إلى أمسية في ستوكهولم يُلقي فيها بعضًا من قصائده، فكتب لمستضيفيه يشكرهم ويرجو اختيار أحد ما يقرأ برفقته النصوص العربية لقصائده على أن يكون من الذين يضبطون مخارج الحروف لسلامة اللغة العربية كما أشار. وكان يفضّل أن يكون هذا الشخص من محبي الشعر إن لم يكن شاعرًا، فوقع الاختيار على "كاتب الموضوع" لأحصل على هدية جاهزة هي إحدى وخمسون قصيدة كردية مترجمة إلى اللغة العربية، وكأنّها كتب لها. لا أعرف إن كان الشاعر نفسه قد قام بالترجمة أم أن شخصًا متميّزًا آخر قام بهذه المهمة. لأن الترجمة كانت نوعية واقتربت كثيرًا من مستواها الفني والبنائي وفي تأثيرها إلى مستوى القصيدة المكتوبة باللغة الأم، بشهادة بعض الذين يجيدون اللغتين. هذه القصائد ومجموعة "مرايا صغيرة" هي كلّ ما اطلعت عليه من نتاج الشاعر الكردي شيركوا بيكس حتى موعد الأمسية نفسها.
قلنا إن بيكس جذب الانتباه إلى بيئة القصيدة الكردية، وهي بيئة ثرية، كذلك ما يدور فيها من حكايات حافظت على طلاوتها ونقائها، وبقائها حيّة في صدور رواتها الذين توارثوها حفظًا وترديدًا جيلاً بعد آخر، حيث كانت البيئة الكردستانية- طبيعة وعادات وتقاليد اجتماعية- ما تزال بكرًا، ومازال المزارع الكردي تأسره الحياة هناك، يعشق قريته وحقله ويعرف أشجاره وكرومه معرفته بأبنائه وبناته. ومازال الراعي الكردي يحاور قطيعه بالناي والغناء الجبلي القوي، وصياد الكركي يستفزّ ذكور هذا النوع من الطيور بذكر أسير يضعه على قمة جبل ليصدح في غنائه مستدرجًا بقية الذكور التي تدفعها غيرتها على إناثها من أن تغريها نداءات الغزل إلى الكمين المعدّ لها. كذلك رجل الجبل الذي يصيخ السمع إلى الطبيعة ليميّز وسط هدوئها طنين نحلة وحيدة يتقصّى أثرها ويحدد اتجاهها ويتبعها ليكتشف من خلالها مواطن تجمّع قبيلة النحل، ثم ليقع على مصدر طبيعي للشهد، في غابة، عند السفح، في أكمة جبلية أو شقّ بين صخرتين على منحدر يعرف وحده المسالك المؤدية إليه. من هذه البيئة ومصادرها، ومن قراءاته للأدب العالمي وإجادته للغة العربية، وربما للغات آخرى، ومن البشر والحياة نفسها نهل شيركو بيكس وأثرى تجربته، وتعددت بين يديه مصادر الإبداع فتدفّق شعره كعيون الماء، وكأنّه هو وليس جدّه مَن شهد حكاية "ممّ وزين" و "كاوه الحدّاد"، وشهد ولادة النهر منذ طفولته نبعًا يفور من جانب شجيرة، فصباه حيث صار النبع جدولاً ينحدر باتجاه القرية، ثم نهرًا يتدفّق كرواية حبّ طويلة. إرث غني وقراءات نوعية شكلّت الذاكرة الخزين الإبداعي له إلى درجة أوجد معها لغة مشتركة من هذه المفردات وتعامل معها كمخلوقات واعية يحدّثها ويصغي إليها ويبادلها إحساسًا بإحساس، ويتابع غرائزها بوعي وفهم حاضرين. فشيركو بيكس هو الذي ألبس جبل قنديل معطفًا، ورسم الطائر بسنّ القلم وفرشاة فان كوخ، وتابع تردد الشجرة والنهر، وهو الذي أعلن إضراب قضبان الحديد المفتولة في ورشة حدّاد لأنها ستصير بابًا لزنزانة بدل نافذة لمكتبة عامة.
وأبكى رغيف الخبز، ومنح الحزن قامة والجرح طاقية من الورد البري. فتراه حين يحاكي الطبيعة وصفًا وحوارًا يستحضرها بأجسادٍ وحواسٍ وعيون وعقول ومشاعر. حين يفعل ذلك نقول: هذا شاعر كردي منغلق على بيئته لم يبرح حكايا الشيوخ والجدّات وأغاني العاشقين، لكننا سرعان ما نكتشف آصرة متينة شدّها الشاعر خارج بيئته، بينه وبين مفكرين ومبدعين وفنانين عرب وعالميين، فنعجب لهذه الآصرة وهذه الصداقة بين راعي قصائد كردي وبين جيمس جويس أو شارلي شابلن أو لوركا، ومع فيروز التي يصف صوتها بأنه ناصع البياض، وغسّان كنفاني الذي لدمه حُمرة الأرجوان وغيرهم.

الفقراء والناس..
يشكلّون مساحة مهمة من هاجس بيكس. يحفل ويحتفي بهم أبطالاً مجروحين وضحايا مغمورين دون شهود على ما أصابهم. في قصائده يشاركهم وجبتهم من القهر والتعب والحزن، ويتوحّد معهم ليلعب دور العذاب نفسه الذي ظل تاريخًا طويلاً يلازم الكادح في حياته يومًا بيوم. ففي قصيدة "قامة" يقول:
عذاب طويل القامة أنا
دون أن أعتلي
أكتاف آلام أخرى
وبلمحة بارقة
أينما يكون الجرح أراه
وأينما يكون الكادح يراني
أما اللوحة المرسومة بعناية عن جمال وهيبة القصيدة التي تصوّر الفقر وتتابع ولادة قصيدة الفقراء في صورة من صور "مرايا صغيرة" ومضة سريعة تنهض فيها القصيدة بقوام فاتن أخّاذ.
في الليل
تربع الفكر على عرش العتمة الفقيرة
وفي الفجر
سجد الملك لجمال القصيدة
ويرصد الشاعر الحزن الكردستاني ووجع الفقراء في قصيدة "وعد". وهي من قصائد الناس والفقراء أيضًا. يراهن ويقارن فيها بأن ضحايا وطنه كردستان لا عدّ لهم. فمن استطاع أن يعدّ أوراق الحديقة أو كلّ الأسماك الكبيرة والصغيرة في النهر، والطيور المهاجرة في مواسمها، فإن الشاعر يقدّم وعدًا بأنه سيعدّ بدوره هؤلاء الضحايا.
لا ينسى بيكس أن يستعير من البيئة مفرداتها، فيمنح المشهد الشعري ومعادل القصيدة كمالهما. ويحقق الهدف المطلوب من القصيدة ووظيفتها كوسيلة إيضاح وفية لتوصيف فكرة وملامح الأمل والقهر. في قصيدته "قنديل" تصل هذه المشاركة حدّ أن يضحّي الشاعر بالقصيدة نفسها قربانًا للناس وهي بالنسبة له الوسيلة والغاية وأداته الأساسية ودوره في الحياة.
الحياة
في آخر الليل
كلّ ليل
أقول لقلمي هامسًا
إذا كان قنديل شعرك
لا يضيء
إلا بدم شهيد جديد
فلتنشلّ يدك
ولتَعْمَ
لتعش الناس ولتمت القصائد
وفي جلسة مصالحة يستمع الشاعر إلى وصيّة من وصايا الفرات الذي غالبًا ما يزوره شيخًا يسعل ويأخذ بيده أمواج لحيته، ويوصيه بأن يقول شعرًا، فالذي يبقى حتى النهاية هو ماء الفرات والقصائد التي لا تنسى الفقراء.

مثلما وصفت الروائية القرغيزيّة فازو علييفا في إحدى رواياتها أنها شهدت في طفولتها ولادة نبع تجمّع مع الأيام جدولاً يعبر قريتها، عندما حاولت زحزحة صخرة كانت تعترض نهوض إحدى الزهور، ولأنها أشفقت على عنق الزهرة الملتوي حاولت فتح الطريق أمام فضاء الزهرة، وعند أول تململ للصخرة انبجس ماء النبع المحبوس تحتها، فكانت السبب والشاهد الأول على ولادة نبع جديد. وكانت يداها الصغيرتان أول يدين لامستا الماء الجديد، ووجهها أول وجه اغتسل به. بالماء الجديد يؤرخ بيكس لولادات في الطبيعة باسلوب استعارة مفردات من التراث مزاوجًا بينها وبين الطبيعة. ففي قصيدة الموسم يسجّل تكوينًا لشقائق النعمان من الجراح. وهو تكوين ابداعي يمكن أن يحدث في قصيدة لشاعر أو في حلم رجل عجوز ولا يحدث في الطبيعة. لكنّ بيكس يوظّف هذا التكوين في قصيدته.
عند بداية الموسم
وضعوا جرحًا كالطاقية
على رأس شوكة
وعند نهاية الموسم
شهدوا أن الأشواك كلّها
قد تحوّلت إلى شقائق نعمان
الفعل، ثمّ النتيجة تأتي سريعًا. ظلام ليلة واحدة أو مسافة زمنية بين موسمين متتاليين، هكذا تتجه القصيدة مباشرة إلى التكوين مثل معادلة حياتية فذّة لا تخطئ، دون الحاجة إلى سلوك طريق طويلة والدخول في مراحل تكوين بطيئة وتفاعلات مضنية. لا تملك قصيدة بيكس الصبر الطويل بل تسلك أقصر الطرق إليها، وبحركة مفاجئة كما يبدو في قصيدة "حريتي" حين تضوّرت الحرية جوعًا فانقضّت على قمر الأشعار وحطمته فأصبح مثلومًا حتى النصف. أما قصيدة "عاشق" فيدخل الشاعر وسيطًا في تحول القصيدة العاصية إلى مزمار، الوسيط هو نقّار الخشب. ومذّاك أصبحت جراح العاشقين تنطق بأصابع الريح. وصوّر ولادة المدّ والجزر بعودة القمر من سفر صحراوي، وحين أراد أن يغتسل بماء البحر زلت قدمه فغرق في القاع فاستيقظ الماء مرتبكًا باحثًا عن قمره بين السطح والقاع. هكذا ولد المدّ والجزر في قصيدة "القمر والبحر". أما سؤال "فالي" في أيّ يوم وجد العسل، فيجيب العاشقان "ممّ وزين" بصوت واحد معًا:
رعى فيه فمّ عاشقين
نحل القبلة
ثمّ أرسلوه من القرية
إلى المدينة

تحمل موضوعات قصائد الشاعر الكثير من المفارقات، وفي الحياة الكثير منها أيضًا، خصوصًا في المجتمعات التي تمرّ بأحداث كبرى كالحروب والكوارث الطبيعية، أو تشهد عملية تغيير جديدة، أو تُصاب نتيجة كلّ ذلك بنوع من الشتات، وهذا ما اشتهر به الأدب الروسي والأدب الفلسطيني. الأول أثناء المعارك الكبرى التي خاضتها روسيا في أرمينيا والقرم والحروب الأهلية أوائل القرن الماضي حتى أواسطه قبل وبعد الحرب العالمية الأولى، والثاني بسبب معاناة الفلسطينيين وشتاتهم وصراعاتهم المستمرة مع المحتل. أما التماثل فهو لدى الشاعر بيكس، أن يلعب الشيء أو الحدث دورين متناقضين تمامًا بنفس السوية. فالريح يمكنها أن تُطفئ النار وأن تؤججها. يقول بيكس إن الحبّ هو كالريح يلعب الدورين معًا. كذلك السلاح –نقول نحن- يمكن أن يُنجي حامله ويمكن أن يرتدّ عليه أيضًا. مثل هذا نجد العديد من الأفكار في قصائد الشاعر. يلتقطها بذكاء من الأحداث، من البشر، الطبيعة وعلاقة الأشياء ببعضها البعض. أتاح له ذلك تنوّع حياته التي عاشها بين مدّ وجزر، بين حرب وسلام، تشرّد واستقرار. المفارقة نجدها واضحة في قصائد مثل:
"جوارب".. قصة امرأة كانت تحوك زوجين من الجوارب لزوجها الغائب. تجلس تحت برد كانون حتى منتصف الليل وهي لا تدري بأن زوجها لن يحتاج إلا لواحدة منها، لقدمه اليسرى فقط.
"الحيّة".. مفارقة اللهب الذي ينفخ ناره ليطفئها حين يلمح حيّة مقرورة تجيء لتلتف قربه. فاللهب ينتحر لا بنيّة حرمان الأفعى من الدفء، وإنما خوفًا على قادم ربما يأتي ليستأنس ويتدفأ.
"رجل".. النسّاج الذي قضى عمره ينسج السجّاد والزهور للناس ولم يكن يملك سجّادة واحدة. وحين مات لم يضع أحد على قبره وردة.
أما قصيدة "الماء" فتقول:
ما دجلة والفرات هذان
إن كانا ماء
فالماء لا لون له
بينما هما أرجوانيان دائمًا
والماء لا طعم له
بينما لهذين مذاق تاريخ محروق دائمًا
والماء بلا رائحة
بينما تفوح منهما دائمًا
رائحة احتراق ضفائر بناتنا وأولادنا
يدرك الشاعر شيركو بيكس جيّدًا أن القصيدة هي حسّ عالمي مشترك قبل أن تكون لغة. ورغم أن عملية الإبداع هي ممارسة شخصية بحتة لا فضل فيها لمبدع على الناس بقدر ما للناس مجتمعين من فضل عليه في منحه زوّادة من التجربة والرؤيا من خلال نشاط هؤلاء وفعالياتهم في الحياة، تضحياتهم، المُثل التي يضربونها. رغم ذاتية الإبداع فإن الشاعر لا يكتفي بذاته ولا يستطيع الاكتفاء بقومه، لأن قومه بدورهم لا يكتفون به أديبًا وفنّانًا منتجًا وحيدًا. فهم يريدون فيضًا من الإبداع المتنوّع شكلاً وهوية. ولا يكتفون حتى بجمهرة مواطنيه المبدعين أدباء وفنانين، فالناس بحاجة إلى فضاء معرفي ثقافي أوسع وأكثر تنوعًا في الشكل والاتجاه وإلى مبدعين كُثر، وإلى كمّ كبير وكيفٍ ثري من التجارب والنتاجات. فنحن نحب وآخرون يعشقون قبّاني والجواهري وأبا ريشة والفيتوري والشابّي وعاتكة الخزرجي وشوقي وكوران وغيرهم ضمن المحيط القريب. لكنّ ذلك لا يكفي. فنحن لا نستطيع الاستغناء عن نيرودا ولوركا وناظم حكمت وإيلوار وأراغون وديكنز وهوغو وتولستوي وكل سرخي وآخرين غيرهم. والمرء قد يحبّ الشعر على مبدأ روزنتال القائل لولا الأدب لأصبحت الحياة لا تُطاق، لكنّه لا يكتفي بالشعر وحده. فهو يحتاج إلى الرواية والمسرح والموسيقى والفنّ التشكيلي وجملة الفنون الأخرى أيضًا. كذلك كان أصحاب الأسماء المشار إليها، هم بالذات أحوج الناس إلى بعضهم البعض، إذ لابد أن يكون جزء من أواصر الفنان مع هؤلاء والجزء الأكبر مع الناس وحياتهم، مع البيئة والتاريخ وما إلى ذلك يخرج بيكس من كرديته ليمسّ جراحًا أخرى بعيدة جغرافيًا، لكنها ليست بمنأى عن المشاركة، يمسّها بنفس القدر من المشاركة مع جراح الذات والقوم. إنّ كلّ قصيدة من قصائد بيكس ترتبط بآصرة ما مع عنصر ما حياتي، وأقوى هذه العناصر ما يرتبط بالإنسان العادي. "أم سعد، إبراهيم الحمال، نالي – الذي يعيش ذات الظروف وفي ذات البيئة التي يعيشها الشاعر". كذلك تجمع الإنسان والمبدع العربي آصرة قوية بقضية الكرد وحياتهم. وهو بحاجة إلى الأدب الكردي الذي بقي معطلاً ومحاصرًا قرونًا من الزمن، وظل متدفئًا بلغته الأم، لم يصل إلا القليل منه باللغة العربية واللغات الأخرى. ويفرض الواقع على المبدع الكردي أن يلعب هذا الدور، أي أن يرافق نتاجه طوال الطريق إلى المتلقي الذي لا يجيد لغته. الكثير منهم تعلموا وأتقنوا لغات أخرى كالفارسية والتركية إضافة إلى العربية ليفتحوا الطريق لنتاجاتهم. وكثير منهم كتبوا بتلك اللغات واحتل قسم منهم قوائم المتميّزين من منتجي الفكر كيشار كمال ويلماز غوناي وبلند الحيدري. ويشكل هذا الاستخدام للغات أخرى غير الكردية بناء لآصرة قويّة أيضًا.
هناك العديد من القصائد يتحدّث فيها بيكس عن مشاركته وإعجابه بالآخرين. منها قصيدة "حكمة" التي يشير فيها إلى مخلفات وأشياء كثيرة كانت رموزًا للقوة والسلطان ينخرها الصدأ الآن ويلفّها النسيان، لكن أشياء أخرى أكثر بساطة لا تهترئ ولا يدركها النسيان ولا تموت، منها قبعة وعصا وحذاء شارلي شابلن. الفنّ هنا قصيدةً أو فيلمًا سينمائيًا، والموقف الإبداعي أيضًا هما الآصرة بين طرفي القصيدة بيكس – شابلن.
وفي قصيدة "الحراشف" يصوّر الشاعر الآصرة المتينة بين الشجرة وطيورها، وبين الشجرة والنهر، ثمّ بين النهر وأسماكه. وهي آصرة متسلسلة.
حين بكت لأول مرّة
قرب النهر
تلك الشجرة التي قتلت أسراب طيورها
جمع النهر لذكرى الأحزان
دموع الشجرة
وصنع منها الحراشف للأسماك
في قصيدة "جيمس جويس" يصفه بيكس بأنه رأس بحجم جوزة هندية وعوينات مدوّرة  وجسم كالقصب في نحافته. كانت الريح تحيا في تلك الجوزة، وثمّة شمسان وراء العوينات، وفي القصب سيمفونية. هي مفارقة أيضًا، كونها آصرة إعجاب وتصوير حاذق لمبدع من لدن مبدع آخر، ومقارنة ملفتة للنظر بين المخبر والجوهر.
ثمّة رابطة متسلسلة أخرى في قصيدة "معا" بين أعمى وأصمّ وأبكم يلتقون كلّ مساء، يجلسون ساعات في الحديقة. الأعمى يرى بعيني الأصم، والأصمّ يستمع بأذني الأبكم، والأبكم يفهم من شفاه الإثنين، والثلاثة يشمّون رائحة الورد.
أما عن التشكيل كفن يلوّن قصيدة الشاعر، فتبدو قصيدة "غرفة" مضيئة باللون الأرجواني كملابس نساء وأطفال الكرد في احتفالات الربيع، ومما هو شائع فإن الشعب الكردي مولع بالألوان الزاهية. قصيدة "غرفة" واحدة من النماذج التشكيلية. إليكم اللوحة:
استطاع شعاع أن يفلت من قبضة سنّارة
هرب وفي الطريق تعثّر بمزمار
فوقع وأدمي رأسه
ثم نهض والتفت
فرأى باب غرفة غسّان كنفاني
مفتوحًا على مصراعيه
من الدم دخل
وحينما أشعلت أمّ سعد قنديل الغرفة
تلوّنت كل الحكايات
باللون الأرجواني
لعل الحكاية هي السمة الأكثر وضوحًا في قصائد شيركو بيكس. ويمكن للناظر أن يدّعي بقليل من المبالغة أن مجموعة قصائده هي عبارة عن مجموعة قصص وحكايات قصيرة جدًا. أوجزها الشاعر في سطور قليلة. تكاد هذه السمة تشمل القصائد كلّها. أما الحوار القصصي فيتسم بطابع الحوار غير المباشر، الحوار الداخلي. ونجد أيضًا القليل من الحوارات المباشرة القصيرة، كحوار الشاعر مع الفرات وسؤال "نالي" عن العسل. لكن هناك حوارًا دائمًا بين القصيدة والقارئ وبين الشاعر وقصيدته أيضًا. الأمثلة كثيرة، ولكن يمكن تمييز بعض الحكايات القصيرة، مثل الحكاية التي تحملها قصيدة "المفتاح".
في أقاصي الدنيا
أبكت كارثة مفتاحًا
لأنهم لم يبحثوا عنه
وحطموا باب المدينة عنوة
قصيدة "أزرار من حجر" تحكي عن جبل خلق في هيئة رجل نحيف طويل القامة يرتدي معطفًا رماديًا في كلّ الفصول. وينتظر واقفًا. هذا الجبل يغلق معطفه بأزرار من حجر. هكذا خلق الرجل. وفي يوم مع الشفق الأول كان قصف الطائرات شديدًا. وكان قلبي مع الرجل الواقف. انتهى القصف. فما الذي حدث له؟ ظلّ في وقفته نفسها. لكنّ زرًا واحدًا من أزرار معطفه كان ناقصًا بعد القصف.
هذه القصة لم يجر تغيير في النصّ المنشور للقصيدة إلا في موضعين لم يؤثرا في تسلسل الأحداث وجوهر الفكرة. لو روينا هذه الحكاية عند سرير طفل لشددنا انتباهه ولواجهنا بسيل من الأسئلة. ولو رويناها للكبار لتأملوا الصورة الشاعرية للقصيدة. القصّة مركّزة لا زوائد فيها ولا سرد إضافيًا. لا تستغرق روايتها زمنًا طويلاً، لكنّها تترك للقارئ فترة معقولة لتأمّل اللوحة التي تتشكل بعد القراءة في الذاكرة.
"حلم".. هي حكاية رغيف أحس بالنعاس فنام على بردعة إبراهيم الحمّال (البردعة بالطبع ليست لإبراهيم وإنما لمساعده. لكن القصيدة تقول إنها له). وحلم بأنهم يعيدون تكوينه رغيفًا من جديد ولكن ليُقدّم للأمير. حين وضع في التنور أخذ يبكي. ثم صحا فاكتشف أنه كان تحت وطأة كابوس ثقيل. القصيدة هي قصيدة حلم لكنها تحكي عن مبارحة الحلم إلى كابوس ثم العودة إليه.
وهناك أيضًا قصص رمزية استخدم فيها الشاعر معادلة غريبة مثل قصيدة "ضابط اعتيادي".. قصة ضابط كلما ارتكب جرائم أكثر كلما ارتفعت رتبته العسكرية. القصيدة هي عبارة عن سيرة ذاتية لقاتل.
ربما تكون قصيدة "ملايين البشر" هي أجمل قصص بيكس ضمن قصائده الإحدى والخمسين ومجموعته "مرايا صغيرة".
تمرّدت زنزانة على قلعتها
وأضربت عن فتح أبوابها
اجتمعت الباستيلات وألقت القبض
على الزنزانة
وعلّقتها بنفسها
وقالت لها من تعرفين؟
من حرّضك على هذا؟
لم تصمد الزنزانة
إزاء ذلك الألم الرهيب
فاعترفت مرغمة
وكتبت بيدها لمحكمة الباستيل
أسماء ملايين البشر.

مشاهدة الموقع بالنسخة العادية