مقالات

د. جيلالي بوبكر

الهوية الثقافية

11/10/2014 19:01
   يتركب مصطلح "الهوية الثقافية" من لفظتين مرتبطتين على سبيل الإضافة والاقتران لضرورة وعلاقة وظيفية بين طرفي المركب، وظيفة لا تتحقق في غياب أحد الطرفين، طرف الهوية وطرف الثقافة مثلما هو حال مصطلح " الهوية اللغوية".
   لضبط مفهوم "الهوية الثقافية" نحتاج إلى تعريف الثقافة وإلى مراجعة تعريف "الهوية". - بالنسبة للثقافة لغويا فهي لفظة جذرها في اللغة العربية ثلاثي الأحرف "ث، ق، ف"، ويرد الجذر بصورتين ومعنيين، الصورة الأولى "ثقَف" الشيء بمعنى صادفه وأدركه وظفر به وأخذه. والصورة الثانية "ثقف" بمعنى صار حاذقا فطنا كيّسا.
نقول ثَقِفَ الكلام يعني حذقه وفهمه بسرعة وثَقَّفَ الرمحَ يعني قوّمه وسوّاه وثقَّف الولد يعني هذّبه وعلّمه.وثاقفه مثاقفةً: غالبه فغلبه في الحذق.
"ويبين ابن منظور في "لسان العرب" أن معنى ثَقَفَ: جدّد وسوّى، ويربط بين التثقيف والحذق وسرعة التعليم. ويعرف المعجم الوسيط الثقافة بأنّها (العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق".
ترادف كلمة ثقافة في اللغة العربية في المعنى عدة مفردات منها الظفر بالشيء وإدراكه وأخذه، والفطنة وشدّة الذكاء والحذق والحذاقة والكيّاسة، والتسوية والتقويم، التأديب والتهذيب والتربية وغيرها.
- وكلمة ثقافة تشير إلى لفظة culture في اللغتين الانجليزية والفرنسية وإلى كلمة cultural في اللاتينية التي تترجم إلى العربية على أنّها الثقافة والتهذيب والحراثة وقد تأخذ معنى الحضارة، "هذه الكلمة جذرها cult ومعناها:العبادة والتدين، ومن مشتقاتها cultivation  ومعناها: حراثة، تعهد، تهذيب، رعاية، و culturalومعناها ثقافي مستولد، ونلاحظ أن معناها في الإنكليزية لا يخرج عن معناها في العربية غير أنه يضيف مصداقاً آخر من مصاديقها وهو حراثة الأرض، ورعاية الزرع، والاستنبات والتوليد، لكنه بشكل ما يربط مفهوم الثقافة بالدين والعبادة، فهما من جذر واحد، فالدين كان المنبع الأول إن لم نقل الوحيد للثقافة قديماً. وأظن أنه حتى الآن لا يزال المنبع الأساسي والمرتكز الأهم للثقافة".
- تناول مفهوم الثقافة العديد من المفكرين والعلماء، فتعددت تعاريف الثقافة بتعدد اتجاهاتهم وأرائهم، منهم "تايلور" الذي يعتبرها الكل المركب من المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والآداب والأعراف والعادات وغيرها، يكتسبها الفرد باعتباره أحد أفراد المجتمع. و"مالك بن نبي" الذي يحددها بالصفات الخلقية وسائر القيّم الاجتماعية التي يتأثر بها الفرد طيلة حياته منذ ولاته حتى وفاته وتربط سلوكه وحياته عامة بأسلوب الوسط الذي ولد فيه. وتُعرّف الثقافة في المعجم الفلسفي "لجميل صليبا بما يلي: "والثقافة بالمعنى الخاص هي تنمية بعض الملكات العقلية أو تسوية بعض الوظائف البدنية، ومنها تثقيف العقل وتثقيف البدن، ومنها الثقافة الرياضية والثقافة الأدبية أو الفلسفية. والثقافة بالمعنى العام هي ما يتصف به الرجل الحاذق المتعلم من ذوق وحس انتقادي وحكم صحيح، أو هي التربية التي أدت إلى إكسابه هذه الصفات...ومن شرط الثقافة بهذا المعنى أن تؤدي إلى الملائمة بين الإنسان والطبيعة وبينه وبين المجتمع وبينه وبين القيّم الروحية والإنسانية وإذا دلّ لفظ الثقافة على معنى الحضارة civilisation كما في اللغة الألمانية، كان له وجهان: وجه ذاتي وهو ثقافة العقل، ووجه موضوعي، وهو...طريقة حياة الناس وكل ما يملكونه ويتداولونه اجتماعيا لا بيولوجيا...والأولى إطلاق هذا اللفظ على مظاهر التقدم العقلي وحده. تقول بهذا المعنى: الثقافة اليونانية، والثقافة العربية، والثقافة اللاتينية والثقافة المدرسية (الكلاسيكية)، والثقافة الحديثة. وتقول أيضا امتزاج الثقافات، والنشاط الثقافي، والعلاقات الثقافية، والتخلف الثقافي الخ..."
- يتضح مما سبق أنّ الثقافة تمثل سائر المعتقدات والعلوم والمعارف والفنون والآداب والقانون والأعراف والعادات والصفات الخلقية والقيّم الاجتماعية وغيرها التي تؤثر في تكوين الفرد وفي حياته منذ الولادة حتى الوفاة باعتباره عضوا في المجتمع. والثقافة ذات طبيعة مركبة جدّا، تتعدد وتتباين بتعدد وتباين الشعوب والأمم، تتطور وتتجدد بتطور وتجدد ظروف الحياة، وتنتشر وتنتقل من جيل إلى جيل ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى ومن جماعة بشرية إلى أخرى بواسطة اللغة وبغيرها كاتجاره والأسفار والغزو والاستعمار وغيره، وهي تقوى وتضعف وتتخلّف، وترتبط الثقافة بالحضارة وتعبّر عنها وعن مكانتها وقيمتها في التاريخ وبين الحضارات، كما تحدد الثقافة الهوية القومية أو اللغوية أو الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الوطنية وغيرها للجماعة البشرية صاحبة الثقافة المعنية.
- تقوم علاقة الثقافة بالهوية على طبيعة ودور كل منهما في حياة الإنسان وعلى التأثير المتبادل بينهما، والهوية تدلّ وتعبّر عن ماهية وحقيقة الكائن إنسانيا كان أو غيره، فرديا كان أو اجتماعيا، وتحدد المكونات والخصائص التي تميّزه عن غيره، ولا توجد في غيره ولا يوجد من دونها، والكائن المقصود هنا الثقافات والهويات الثقافية، وهي متعددة بتعدد المقومات التي تقوم عليها الهويات مثل الدين واللغة والعرق والتاريخ والماضي والمصير المشترك وغيره، والثقافة بحكم تركيبها قد تحتوي العناصر المذكورة جميعا وغيرها في انسجام وتآلف وتوحيد، وداخل الكل المركب المنسجم يوجد من العناصر ما هو جوهري وأساسي ورئيسي وما هو فرعي ومكمل وإضافي، فالهوية العربية الإسلامية تتشكل من اللغة العربية الإسلامية كمقومين أساسيين وما سواهما من العناصر فهو فرعي ومكمل.
- إذا كانت الهوية تدل على الماهية والثقافة تدل على ماهية الإنسان فكريا وثقافيا وحضاريا فإنّ الهوية تدل على الثقافة وتعبر عن مكوناتها وعناصرها ومتضمنة في الثقافة فلكل ثقافة هوية وثقافة من غير هوية عدم ولا وجود لها، وبمقدار تعدد وتباين الثقافات تتعدد الهويات وتتباين، بما أنّ هوية الثقافة هي الثابت من الخصائص والمكونات لا المتحول في الثقافة المميّز لها عن غيرها من الثقافات الأخرى، ومن جهة أخرى تتصل الثقافة بالهوية اتصالا علّيا، اتصال المعلول بالعلة، فالثقافة علّة وجود الهوية، لأنّ الثقافة تصنع الهوية، ولولا الثقافة ما ظهرت الهويات الثقافية أصلا،  ففي مسعى الهوية الثقافية نجد الثقافة أسبق من الهوية، والهوية لدى بني البشر في كل المستويات تتضمن دوما الثقافة والعناصر الثقافية وتعبر عنها وعن التعدد الفكري والتباين الثقافي، والثقافة تنتج الهوية وتصبغها بخصائصها ومميزاتها وتتطور الهوية بتطور الثقافة أي تتأثر الهوية بالثقافة أي الهوية الثقافية سلبا وإيجابا، تضعف وتقوى وتتلاشى بضعف أو قوّة وتلاشي الثقافة، فالهوية الثقافية العربية في عزّ قوّتها بفعل التقدم الذي حقّقه الغرب حديثا ومعاصرا أما الهوية الثقافية العربية الإسلامية في حالة ضعف وتخلف وانحطاط، الكثير من الهويات الثقافية التي قامت واندثرت مثل الهوية الثقافية المصرية الفرعونية القديمة والهوية الثقافية الزرادشتية، وغيرها.
- نستنتج من مدلول الثقافة ومن مدلول الهوية ومن العلاقة بين الهوية والثقافة هذه العلاقة التي أنتجت مصطلح "الهوية الثقافية" على سبيل الاقتران الوظيفي في الزمان والمكان وفي إطار التحولات التي عرفها تاريخ الإنسانية منذ القديم حتى الآن، مصطلح "الهوية الثقافية" الذي يعني سائر الخصائص والمميّزات والمكونات الفكرية والاجتماعية والتاريخية التي تنفرد بها ثقافة ما، تمتلكها جماعة بشرية ما، تتميّز بها هذه الثقافة عن غيرها من الثقافات الأخرى، وتحدد ماهية الجماعة البشرية وتُميّزها عن غيرها من الجماعات البشرية الأخرى، هوية طائفية كانت مثل طوائف لبنان المعاصر، أو هوية دينية مثل الأمة الإسلامية والأمة المسيحية والأمة اليهودية والأمة البوذية في الهند وغيرها، أو هوية لغوية مثل أمم أوربا الغربية الحديثة والمعاصرة، أو هوية عرقية مثل الهويات التي تعرفها بعض بلدان إفريقيا كأوغندا وغيرها، أو هوية وطنية تقوم على الوطنية كمبدأ وفكر ووجدان وسلوك وعلى تساوي المواطنين داخل الوطن والدولة في الحقوق والواجبات وهو المسعى الذي تنشده الدول المعاصرة.

جيلالي بوبكر أكتوبر 2013

مشاهدة الموقع بالنسخة العادية