د. جيلالي بوبكر
إن الجدل القائم بين الأنا والآخر ليس مردّه إلى وجود إشكالية العلاقة بين الاثنين فحسب كما هو في فكرنا القديم ويتكرر في فكرنا المعاصر، بل يتعلق الأمر كذلك بصورة الأنا وصورة الآخر من حيث الوضوح والغموض، من حيث الدقة والشمول، من حيث الكفاية والنقص ومن حيث السلب والإيجاب. فالعلاقة تتضح والجدل يمكن تجاوزه عندما تتضح الصورة وتأخذ مكانها في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة ذات الطابع التراثي التاريخي من جهة وتعيش على الوافد من جهة ثانية، فالتراث هو قيّمها وتاريخها وماضيها التي لا تقدر على الانفصال عنه شعورياً أو لاّشعورياً، والوافد هو ثقافة الغرب وعلومه وأفكاره، لذا فالغرب الذي هو "الآخر يحضر إلى ساحة وعي الذات كفكرة واضحة حاملة لعناصر هويتها البسيطة حينما تصل الذات إلى تأمل وعيها الباطني باستقلالية عما تعكسه المرآة، ومن ثمة فإن الهاجس الذي يفترض أن يهيمن على اهتماماتنا يكمن في السعي إلى تحقيق أعلى درجات الإسهام المعرفي والعلمي بعيداً عن ردود فعل التفضيل والمفاضلة. وعليه نزعم أننا نشعر الآن أكثر من أي وقت مضى أن الآخر يجب أن يعود إلى حجمه الطبيعي كموضوع للدارسة، يمكن للذات استحضاره مثلما تكون لها الجرأة على استبعاده حينما يستدعي سياق البحث حضوره."
يظهر أن صورة كل من الأنا والآخر في فكرنا المعاصر تقوم على السلب والإيجاب، فالأنا سلبي أما الآخر إيجابي، الأنا سلبي لأنه يأخذ من الآخر النموذج في الفكر والسلوك ولا يبالي بأناه، وحتمية الاغتراب نتيجة هذا التصور لصورته، ويشتغل بالتراث لذاته لا لتحويله إلى شحنة تفجر الإبداع الحضاري والعطاء التاريخي، ويفتقد الحرية، حرية الفكر وحرية الاختلاف وحرية الفعل التي تطلق المواهب والطاقات تطوير لحياة الفرد والأمة والإنسانية جمعاء، ووقوعه في 'نرجسية الأنا' تعويضاً عن الضعف والهوان. ومن ذلك إطراء الفكر الغربي وأصحابه، و"التحقيب التاريخي الميلادي ووضع مسار الوعي التاريخي العربي الإسلامي في إطار الوعي التاريخي الغربي." فالوعي التاريخي للأنا مغترب في الآخر، لأن الآخر إيجابي وفعّال ومبدع وعلى حق في قوله وعمله، في فكره وتطبيقاته، في حاضره ومستقبله، الآخر و حضارته مقياس تُقاس عليه بقية الحضارات كل الحضارات القديمة والحديثة وحتى القادمة، لأن حضارته هي حضارة الإنسان والطبيعة ناهيك على أنها حضارة العلم والمدنية والحرية والعدالة. فصورة الأنا صورة المعوق المتفرج المستهلك أما صورة الآخر صورة القويّ المعافى المنتج للعلم والفكر والتقنية، والأنا مطالب بإتباعه والسير وراءه من بعيد ببطء فهو متخلف ويجب أن يبقى متخلفاً في نظر الآخر، والصراع قائم بين الأنا والآخر في الثنائيات عند الجماهير ولدى النخبة وفي وسائل الإعلام بين الطرفين طرف الأنا وطرف الآخر.
فالأنا سلبي أما الآخر فهو إيجابي ويدلّ السلب والإيجاب في ثنائيات كثيرة يصعب التركيب بينها، فثقافة الأنا تقوم على العاطفة و الوجدان أما ثقافة الآخر فتقوم على العلم والإبداع والإنتاج في الفكر ووسائل العمل والتأثير في الطبيعة.وإذا كانت حضارة الغرب حضارة علم فحضارة العرب حضارة أخلاق وأدب وثقافة وفن بوجه عام، والعلم والعقل ثنائية مثل ثنائيات عديدة بين طرفي كل منها تقابل بالتعارض أو التناقص، بين الفلسفة والتصوف، بين المعقول واللامعقول، بين العلم والشعر بين الثبات والتغيير، بين الإرادة والعادة، بين المحسوس والعيني وبين المثال والأنموذج، بين الإبداع والاستهلاك بن أمة تسير في المقدمة تقود الركب الحضاري، وأخرى تسير في المؤخرة، "وأخيراً تعادل ثنائية الشرق والغرب ثنائية الجنوب والشمال، فما يقال على الشرق يصدق على الجنوب، وما يقال على الغرب يصدق على الشمال. فأفضل السير في الغرب" . والشمال وأسوؤهم في الشرق والجنوب. كما هو الحال عندنا، وهي ثنائية الجهل والعلم، الضعف والقوة، الشر والخير، الظلم والعدل، والباطل والحق.
فصورة الأنا في الأنا تقوم على تصغير الأنا وتقزيمه وصورة الآخر في الأنا تقوم على تكبير وتفخيم الآخر مثلما هو الحال لدى الآخر فصورته لديه تقوم على التعظيم والإكبار والإجلال والتقديس أما صورة الآخر –الأنا عندنا- لديه تقوم على التضعيف والانتقاص وتصغيره إلى أبعد الحدود، وكل صورة من الصورتين صورة الأنا في الأنا والآخر أو صورة الآخر في الآخر وفي الأنا تقوم في غياب الواقع وحقائق العقل والعلم و التاريخ. والفكر العربي المعاصر والثقافة الإسلامية المعاصرة يدوران في جبهات ثلاث، جبهة الموقف من التراث القديم، وجبهة الموقف من الغرب، وجبهة الموقف من الواقع أو نظرية التفسير. فالموقف من الغرب أو جبهة الماضي والحاضر والمستقبل جزء من الموقف الحضاري الأكبر. جبهة تُقلّب في الماضي والحاضر وتتطلّع للمستقبل، فتجد الأنا يعيش حاضره ويراه في مرآة الآخر، يستهلك كل ما ينتجه الآخر دون تمييز أو مراعاة لمبدأ الصالح وغير الصالح، وقبله "كانت الثقافة الأوربية في العصر الوسيط مستهلكة للثقافة أكثر مما كانت منتجة لها. كانت تنقل إبداعات الثقافة الإسلامية في شتى العلوم من العربية إلى اللاّتينية مباشرة أو عبر العبرية، واستمر الأمر كذلك حتى نهضت أوربا في العصور الحديثة ابتداء من عصر النهضة ومصادره الإسلامية." وفي المقابل اصطدم العرب والمسلمون بآثار الصدمة الحضارية "منذ حملة نابليون على مصر أو قبلها بقليل على يد قلّة من العلماء أتيح لهم الإقلاع على بعض العـلوم الطبيعية في الغرب عن طريـق فرنـسا... ونتيجة لصدمة الحداثة ورؤية الأنا في مرآة الآخر نشأت تيارات ثلاثة في فكرنا العربي المعاصر تلتقي جميعاً في نموذج واحد 'الغرب نمط للتحديث' وإن اختلفت فيما بينها في نقطة البداية... ومع ذلك تبقى هذه التيارات متمايزة من حيث بدايتها ومساراتها ونهايتها، روادها وأجيالها وروافدها." هذه التيارات هي التيار الإصلاحي الديني والتيار الليبرالي السياسي والتيار العلمي العلماني. ولكل تيار مسلماته وأسلوبه وغاياته. وإذا أصبح الغرب نمطاً للتحديث فهو كذلك أداة للتجديد، و" استُخدمت الثقافة الغربية كأداة للتجديد أولاً كمذاهب فلسفية مثل المثالية والشخصانية والوجودية والماركسية ... وللتغلّب على حدود المذاهب ورقعة التجديد تمّ استعمال المناهج الغربية لدراسة الموروث واكتشاف مكوّناته وبنيته. فتمّ استعمال المنهج الظاهراتي (الفينومينولوجي) لدراسة التراث (أدونيس، حنفي فيما يقال) وتحويله إلى تجارب حيّة في نشأته وتطوره... كما تمّ تطبيق المنهج البنيوي... وتمتاز هذه المحاولات بأنها محاولات صادقة لتجاوز ازدواجية الثقافة العربية بين الموروث والوافد، وحلّ وضع المثقف العربي بين ثقافتين بدلاً من ثنائية الثقافة بين سلفية وعلمانية، الأولى تُكفّر الثانية، الثانية تخوّن الأولى والتفاعل مع ثقافات العصر... وتساعد هذه المحاولات على إنشاء فكر عربي جديد يعبر عن الوضع العربي الحالي، مرحلة الانتقال من القديم إلى الجديد... وتقوم بدور المذاهب الفلسفية في الغرب منذ القرن السابع عشر ، تتشكك في الموروث وتنقد الوافد وتعبر عن حاجة العصر." رغم المحاولات الفلسفية والمنهجية الجادّة بقيت الهيمنة الثقافية للغرب وازدادت قوّة التحديث والتغريب ولا تعني الحداثة سوى "الانتقال من التراث الذاتي إلى تراث الغير ليس على مستوى الثقافة بل على مستوى السلوك اليومي والعادات والتقاليد وهنا يتم الخلط بين الحداثة في السلوك وتحديث المجتمعات أي تغيير نظمها الاجتماعية وكأن العصرية تعني فقط السلوك المهذب للأفراد دون تنمية اجتماعية شاملة... والحقيقة أن هذه الحداثة في سلوك الأفراد لم تنتج أثراً في تحديث المجتمعات تحديثاً شاملاً نظراً لقيامها على التغريب في الوعي القومي، فالتحديث هي محاولة تغيير المجتمعات على يد المحدثين الذين هم في واقع الأمر ضحية التغريب في وعيهم الثقافي والوطني." عندهم الغرب هو المصدر الوحيد للعلم والتقدم، ويقع الصراع و يستمر بينهم وبن تيار الحاكمية والشريعة والعصر الذهبي، "وفي كلتا الحالتين الوطن العربي هو الخاسر إما بالتآكل الداخلي أو بالغزو الخارجي... خاصة إذا غاب بديل ثالث أمامها مثل اليسار الإسلامي الذي يحاول تحقيق التغيّر من خلال التواصل، وربط التراث بالعصر والحفاظ على الشرعيتين معا، شرعية الماضي وشرعية الحاضر... أما الحصار الخارجي فإنه يأتي عن طريق غزو العقول وهيمنة الثقافة الغربية حتى تُطمس معالم الثقافة الوطنية، وتضيع المحلية باسم العالمية، ويُقضى على استقلال الذات أمام سيطرة الآخر وتنتهي الهوية لصالح التغريب."
تَحوّل المشكل في جدل الأنا والآخر في الفكر العربي الإسلامي في وجه من أوجهه إلى انشغال آخر مرتبط بعلاقة الأنا بالآخر هي علاقة صراع أو حوار؟ فتحول الحوار مع الآخر إلى حوار الأديان وحوار الحضارات، حوار الشرق والغرب، حوار الشمال والجنوب "غلب الحوار مع الآخر على الحوار مع الذات مع أن الحوار مع الذات يسبق الحوار مع الآخر، ومعرفة النفس سابقة على معرفة الآخر والتساهل في معرفة الذات يؤدي إلى تساهل في معرفة الآخر وبالتالي يعزّ الحوار ويقع سوء التفاهم لذلك لم ينجح الحوار مع الآخر حتى الآن لأنه لم يقم على الحوار مع الذات أولا." دور الحوار مع الذات هو اكتشاف الأنا التاريخي الذي يكشف عن ثقافة السلطة في القمع والتسلط وعن الأنا السياسي وغياب معارضة حقيقية، كما يكشف عن الأنا الأخلاقي لتحديد الهدف والغاية من الأنا التاريخي الذي يشمل الأنا بمختلف أقسامه. "إن الغاية القصوى من الحوار مع الذات هو النظر في الآفاق وفي النفس، البداية بالعصر والنهاية بالنفس، أولا الرؤية الخارجية وثانياً الرؤية الداخلية. فالعالم جزء من الذات والذات وجود في العالم، والحوار مع الذات هو حوار مع عالمها أيضاً. ليست الذات قوقعة أو محارة بل مجداف يصارع الأمواج أو ربان يبحر عباب الماء للوصول إلى منتهاه."
إن جدل الأنا والآخر وصراع الموروث مع الوافد، عجز الذات على معرفة أناها وعلى مواكبة العصر وتحدياته، " والتحدي القائم أمام الجيل القادم في مستقبل الثقافة العربية وليس في نموذجي الماضي والغرب نمط للتحديث، والغرب أداة للتجديد ولا في نمطي الحاضر، الغرب مصدر للعلم، والغرب مصدر للجهل بل في تحويل الغرب إلى موضوع للعلم. فالدفاع أو الهجوم، القبول أو الرفض، الخير أو الشر، كلّها مواقف حدّية انفعالية تتجاوز الموقف العلمي الهادئ الرصين الموضوعي." ولما كان وما زال التراث الغربي أو الوافد واحدا من المصادر الرئيسية للوعي القومي في المجتمع العربي الإسلامي ورافدا مباشرا للثقافة الوطنية والعلمية، بهذا استمر الآخر في هذا الوعي استوطن ابتداء من حكماء اليونان إلى حكماء الغرب الحديث ولم "تقم حتى حركة نقد له إلا في أقل الحدود وبمنهج الخطابة أو الجدل دون منهج النقد ومنطق البرهان."
لقد نشأ علم الاستغراب في مقابل الاستشراق وهو من إفرازات الصراع في جدلية الأنا والآخر وظهر لمواجهة "التغريب الذي امتد أثره ليس فقط في الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم وهدّد استقلالنا الحضاري بل امتد إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللّغة ومظاهر الحياة العامة وفن العمارة." يؤكد "حسن حنفي" على دور علم الاستغراب في التعاطي مع الغرب منطلقا من جدل الأنا و الآخر بقوله: "يكفينا في جدل الأنا و الآخر تأسيس علم الاستغراب في مقابل التغريب أي نقل الغرب ،التخلص من آثاره.يكفينا تحجيمه و ردّه داخل حدوده الطبيعية حتى يحدث التوازن في وعينا القومي بين حضارتنا و حضارات الغير في الغرب أولا ثم في الشرق ثانيا." كما يربط المفكر بين علم الاغتراب والوجود العربي الإسلامي بثقافته وتراثه وتحديات عصره الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في علاقته بالآخر، فرغم التحرر العسكري والاقتصادي ومحاولات التحرر الثقافي والفكري فلم يتحقق الهدف، "والحقيقة أن علم الاستغراب قادر على أن يقوم بالتحرر من أساسه 'الأنطولوجي' وليس المعرفي، وذلك بتحرر الأنا من سيطرة الآخر، وهو التحرر الحضاري حتى تبدأ الأنا في وضع ذاتها كأنا. 'أنا أسغترب' إذن 'أنا موجود' أو 'أنا لست آخر'، 'إذن أنا موجود' فالكوجيتو في عصرنا وعند جيلنا ناف، سالب فيه يسبق السلب الإيجاب، النفي الإثبات مثل الشهادة في لا إله إلاّ الله."
الجبهة الثانية في مشروع التراث والتجديد تسعى إلى مواجهة طغيان الآخر على الأنا ويمثل الاستشراق أحد أساليب هذا الطغيان وهذا الطمس، "الاستغراب هو الوجه الآخر والمقابل بل والنقيض من 'الاستشراق'. فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا 'الشرق' من خلال الآخر 'الغرب' يهدف 'علم الاستغراب' إذن إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركب النقص عند الأنا ومركب العظمة عند الآخر." فإذا كان الاستشراق قد قدّم صورة الأنا من منظور إيديولوجي تغذيه النزعة المركزية القائمة على مركب العظمة وتقزيم الآخر وتصغيره متعامية تماماً عما فيه من أصالة وإبداع، فإن هذا "الاستشراق بنفسه وفي نفسه كطاقم من المعتقدات، وكمنهج للتحليل لعاجز عن التطور. بل إنه بحق النقيض المذهبي للتطور. فمنظومته المركزية هي أسطورة تطور الساميين المعاق. ومن هذا المنبت تتدفق أساطير أخرى، وكل منها يظهر السامي النقيض الكامل للغربي، وضحية لا شفاء لها لنقاط ضعفه الخاصة."
يختلف الاستشراق عن الاستغراب في كونه جاء أثناء المد الاستعماري الأوربي محملاً بإيديولوجية المنهج العلمي والاتجاهات السياسية السائدة في القرن التاسع عشر وغلبت عليه مناهج تعبر عن الوعي الأوربي، قام بدراسة حضارة لا ينتمي إليها أصحابه ولم يأت بلغة هذه الحضارة، أما الاستغراب جاء لمواجهة التغريب وكدفاع عن النفس يظهر في "إيديولوجية مناهج علمية مخالفة مثل مناهج اللّغة، وتحليل التجارب المعاشة، وإيديولوجية التحرر الوطني" ، وإذا كان الاستشراق وُجد لتبرير الهيمنة الثقافية وطمس هوية الشعوب فإن الاستغراب "أقرب إلى الشعور المحايد نظراً لأنه لا يبغي السيطرة أو الهيمنة بل يبغي فقط التحرر من أسار الآخر حتى يُوضع الأنا والآخر على نفس المستوى من الندّية والتكافؤ." فمهمة علم الاستغراب هو القضاء على المركزية الأوربية في البحث والإبداع العلمي والتقني والقضاء على ثنائية المركز والأطراف. "وطالما أن الثقافة الغربية هي المركز والثقافات اللاّغربية هي الأطراف ستظلّ هذه العلاقة أحادية الطرف ... مهمة علم الاستغراب هو إعادة التوازن للثقافة الإنسانية بدل هذه الكفّة الراجحة للوعي الأوربي والكفّة المرجوحة للوعي اللاّأوربي."
إن استقامة علم الاستغراب بالنهوض به من طرف الباحثين على عديد من الأجيال يؤدي إلى احتواء الثقافة الأوربية بيئة ونشأة وتكويناً، ويتحول الدارس إلى مدروس والذات إلى موضوع وعلى أنها تاريخ وليس في منأى عن التاريخ وتُرد إلى حدودها الطبيعية ونزول فيها صفة العالمية ويُفسح المجال للإبداع الذاتي للشعوب غير الأوربية، فتنمحي عقدة النقص في الأنا ويُدحض مركب العظمة في الآخر، فيُعاد تدوين التاريخ وتبدأ فلسفة جديدة للتاريخ، فينتهي الاستشراق وتتحول ثقافات الشرق من موضوع إلى ذات، "وقد ينتج عن علم الاستغراب أخيراً أن تشهد الإنسانية عصراً جديداً يختفي منه داء العنصرية الدفين الذي نشأ إبان الوعي الأوربي حتى صار جزءاً من بنيته ... هذه ليست طوباوية يقع فيها علم الاستغراب بل تغيير جذري في الوعي الإنساني، إذ يرى الوعي الأوربي حدوده، كما يرى الوعي اللاّأوربي إمكاناته فلعل كل منهما يصل إلى منتصف الطريق لخلق وعي إنساني جديد."
علم الاستغراب حسب "حسن حنفي" ليس علماً جديداً بل قديم قدم علاقة الأنا بالآخر، فجذوره تمتد في النموذج في صلة الحضارة الإسلامية بالحضارة اليونانية حيث كانت الحضارة الإسلامية ذاتا ودارسا أما حضارة اليونان وغيرها كانت موضوعاً ومدروسا ومثلما بنت الأنا قديماً الاستغراب فقد أسست الاستشراق عندما استوعبت الثقافات الشرقية القديمة ثقافة فارس والهند والصين وغيرها. ويعرب المفكر عن تقدم علم الاستغراب في اكتمال ظهور الإرهاصات الأولى لهذا العلم وخروج هذا الكتاب الموسوم 'بمقدمة في علم الاستغراب' ،"في هذه اللحظة الراهنة يدل على أن لحظة الإعلان عن النوايا قد تمّ تجاوزها وأن الإرهاصات الأولى قد تمّ تحويلها إلى علم دقيق أوكد. إنما هي مهمة مجموعة من المثقفين لإعطاء مزيد من الأحكام، مهمة فريق عمل يغرس كل باحث فيها نبتا. وقد تكون مهمة عدة أجيال برؤى مختلفة ولكن يظل التأسيس الأول لهذا الجيل، والمحاولة الكاملة الأولى هي هذه المقدمة في 'علم الاستغراب'."
من المؤكد أن أزمة الأنا وحاجته الملحّة للخروج من التخلف تجعل من 'علم الاستغراب' أكثر من ضرورة لكن ليس بالإعلان عن النوايا وتحديد المبادئ والغايات بل بالتجسيد الواقعي، لأن كثيراً ما يوصف علم الاستغراب بأنه أقرب إلى الإيديولوجية منه إلى العلم وبالتالي لا يختلف عن الاستشراق في هذا الجانب، كما يعتبره البعض مجرد أمنيات للشعوب التي تحررت من الاستعمار العسكري الحديث والمعاصر من خلاله تسعى للالتحاق بالركب الحضاري، كما تسعى لإثبات هويتها، فهو مجرد رد فعل للاستعمار ومجرد أحلام وأماني ليس لها حيّز في الواقع وفي ظل بعد المسافة بين حضارة الآخر وتخلف الأنا. ونتائج علم الاستغراب في حياة الأنا الفكرية والعلمية والسياسية والاجتماعية ليس بالضرورة مرتبطة بهذا العلم لأن الأنا لا يكون متكافئاً مع الآخر وندّا له إلا إذا أوجد بديلا حضاريا يتصف بالقوة والفعّالية والإبداع يتجاوز به الآخر ويدخل معه في منافسة الند للند. ولا يمكن القضاء على المركزية الأوربية إيديولوجيا وإزالة ظاهرة المركز والأطراف إلا بالإسهام الإبداعي وإلا تبقى الدعوة إلى إنشاء علم الاستغراب مجرد أمنية أو حلم أو إعلان عن نية ومبدأ، فالآخر "سيتوقف عن التضخم والتمدد والانتشار حينما تكون الذات قادرة على حسم خياراتها وتحديد أولوياتها، وعلى التعايش مع الوعي الخاص بفردانيتها وحضورها الأنطولوجي المستقل لأن فهم الآخر لا يمكن أن يكون مثمراً وبنّاء إذا ما ظلّت الذات عاجزة عن تحديد خانات قوتها وضعفها، وغير قادرة على الغوص في أعماقها لفهم ما لا يستطيع الآخر فهمه ولو أنفق كل كنوز المعرفة برمّتها."
فإذا كان 'حسن حنفي' يرغب أن تكون الأجيال اللاّحقة بمثل ما كانت عليه الأجيال السابقة وما شهدته من كبوات وأزمات وأن يحقق الجيل الحالي والقادم ما لم تحققه الأجيال السابقة، وعنده 'علم الاستغراب' طرف في مشروع التراث والتجديد يعقد عليه أمالاً كبيرة في بداية لحظة تاريخية يولد فيها وعي الأنا والآخر بحيث يصبح الآخر مدروساً والأنا دارساً، والسؤال يبقى مفتوحاً عن إمكانية تحويل البيان النظري في 'مقدمة في علم الاستغراب' إلى إنجازات في الواقع وانتقال المبادئ والنوايا إلى أفعال وتصرفات، وإلاّ يبقى الاستغراب مجرد فكرة طوباوية وترفاً فكرياً. ويمكن التساؤل عن "المؤسسات العلمية والثقافية والهيئات السياسية التي تتبنّي هذا المشروع ليتحول من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، كعلم له موضوعه وآلياته ومناهجه، وأهدافه العملية وغاياته الإنسانية، حيث يستطيع أن يحدد موقعه الحضاري ومن ثمة رؤيته ورسالته التي يسعى إلى تحقيقها دون أي اعتبارات ذاتية أو إيديولوجية، وكذلك أمام التحديات الداخلية المتلاحقة في مجتمعنا العربي، أم سيظل حلماً مجهول المصير في ظل التحديات الجديدة للعولمة؟."