لا نريد في هذا العنوان نخفي قصدنا ونياتنا فيما يبدو اسأءة
لمن هم ليس من الدواعش في عملية تحرير تكريت أو غيرها من المناطق التي فيها حواضن لهم ، بحجة النظر من زواية فلسفية ، بما عرف عن الفلسفة تجردها من الذاتوية ، وعن ميزة الفلسفة هي إنها لا تحابي فما تسعي إليه لأنها في الأساس بحث عن الحقيقة ، والتي لا يمكن بلوغها إلا في تجرد من الأهواء والانحيازات . فغايتها فحص الأشياء والوقف على حقيتها . فالوعي العادي غالباً ما يغلف ، الاشياء العادية واليومي باهواءه ورغباته . في حين الفلسفة الحقة كشف وأنارة ، لما توارى خلف تلك الميول . وبما أن الحياة تدفق وتغير وتجدد ففي كل لحظة تطرح أشكالات تحتاج لجهد الفلسفة لكشف عن حقيقة الحدث وتفسيره بشكل صحيح . ولقد حدثت الكثير من الإشكالات في العراق والتي غالباً ما تناولت بالوعي العادي واليومي أو الأيدلوجية ولم ينظر لها من وجهة نظر فلسفية خالصة لظهارها على حقيقتها . وآية ذلك لأن التناول الفلسفي يؤدي إذا استخدم في سياقه الصحيح للإثارة الأحقاد والضغائن ضده ، لذلك يتحاشاه الكثير ، ولأنه من ناحية أخرى عادةً ما يكون بعض المثقفين غيرمعنين بالحقيقة وتبيانها ، بعيداً عن مصالحهم وانحيازاتهم . ولهذا فالتفكير الفلسفي قلما جرب في تحليل الأحداث . ولعل حدث تحرير تكريت يمثل نموذج لتجربة التحليل الفلسفي فيه . لكونه هذا الحدث ينطوي على ملابسات كثيرة . فعملية التحرير ، يجب أن لا ينظر لها كواقعة تخلو من أي دلالة أضافية . وبما الفكرة التي نحن بصدد ملامستها وفض الالتباساتها تحتاج لشيء من الصبر والتأن لفهم ملابساتها . فأن عملية تحرير تكريت والمحافظات العراقية تنطوي على ملابسات لا يمكن فهمهما بدون التجرد الفلسفي ، الذي قلنا عنه أنه يخلو من الانحيازات والأهواء ولا يضع نصب عيناه سوى معرفة الحقيقة مهما كان الثمن ومهما كانت النتائج المستخلصة من ذلك التحليل . ولهذا لا يمكن فض كل تلك بدون تقريبها في مثال أو أمثلة نضربها ، لتوضح ذلك الذي يكنف حالة كحالة تحرير تكريت وبقية المحافظات الداعشية إذا صح التعبير . فبشهاد العديد ، وبحصاءات موثوقة ، أن الدواعش ليس كلهم او أكثريتهم غريبين عن تلك المحافظات الداعشية . ولكن ، قبل كل شيء ، ما هي تلك الملابسات التي تنطوي عليها تحرير المحافظات العراقية ؟ أهي أتختلف عن أي عملية تحرير أخرى ، مثل تحرير الجولان أو أي جزء من أرض فلسطين ؟ أن هذه الدلالة الإضافية في تحرير المحافظات تكمن هنا ، أي في أختلافها عن بقية تحرير الأراضي من غاصب أجنبي محتل بالقوة الأرض . فحقيقة أن تحرير تكريت لم تتم من غاصب أجنبي وإنما جرى التحرير من أهل تكريت أنفسهم . فتكريتين ، ولنقل أغلب هم جزء من داعش والدواعش ، ولا يحتاج هذا الادعاء الكثير من الجهد لنثبت ذلك ، فهم لم يتعرضوا إلى انتهاكات من قبل تنظيم داعش ، لأنهم من حواضنهم ومن جماهيرهم وقدموا لهم خدمات كبيرة ، ليس في قتل الجند والناس الذين لهم علاقة بشيعة أو من الشيعة ، وعلى تعبيد الطريق أمامهم وتقديم الأضاحي لهم ، ورغم أن هذا بحد ذاته يفصح عن تؤاطو كبير بينهم والدواعش ، إذ لم يكن لدليل واضح . ولهذا فأن تحرير تكريت تم برغم من أكثرية أهل تكريت . وفي هذه الحالة ليس لهم دور يذكر في عملية التحرير . فهم إذا قلنا عنهم متمردون على السلطة والدولة ، ومتعاونين مع العدو ، فأن هذا الحالة وحدها يجب علينا نجد حل لهذه الإشكالية ! فكيف يجب من ثم التعامل مع أناس من هذا الطراز ؟ بالطبع علينا أن لا نفعل فعل النعامة التي تدس رأسها في الرمال خوفاً من مواجهة الحقيقة والقوال بأنهم كانوا مجبرين على التعامل مع الدواعش ، والبحث عن تبريرات لهم . لأنهم في هذا الحالة سوف لن يداخلهم ندم على ما قترفوه من جرائم وتدمير وخيانة لبلد وأبناء بلدهم . وسوف ينتهزون أول فرصة لتكرار ما حدث . ولو بحثنا عن مثال قريب وما خلف في أرتباكات وملابسات في مواجهة مثل تلك الحالة ، في كيفيت انزال عقوبة في شعب أو جماهير غفيرة ، فلعل أقرب مثال أو حالة لفعلت أهل تكريت وكل المحافظات اللائي فيهن حواضن للإرهاب ولم يتم احتلالها بالقوة ولم يتعرض أهل للقتل مثل أهل سنجار وبقية المدن التي ليس فيها من يدعم الدواعش ويحتضنهم والذي يمكن مقارنه فعلتهم بهم هو ما فعلته المانيا بمجئ النازية ، وفي والعقوبات التي فرضت على الألمان . فالنازية في ألمانيا لم تكن شيء طارئ على المجتمع الألماني ، بل جاءت في أنتخابات جرت في البلدة وأدت لفوزهم . ولذا يعد الألمان مسؤولين عن النازية الألمانية ، رغم أن كل ألمانيا لم كلها نازية . ولكن لما انتصر الحلفاء عليهم ، لم ينظرون لهم على أنهم ضحايا النازية وأنهم كائنات مجبرت ، وأنما فرضوا عليهم العقوبات والإعدامات لكبار القادة لدمار الذي ألحقوه في العالم . فقاموا بمحاكمة كبار قادة النازية وإعدامهم وفرضوا عليها عقوبة كبيرة وحرموهم من التسلح . ومن هنا التعامل الدولي مع ألمانيا بدأ للعالم مقبول واقعي ويضع حد لتكرار العمل مجدداً . فهل ، من ثم ، أهل تكريت إذا جارينا الفلسفة في نهجها في البحث عن الحقيقة وقول الحقيقة بدون خشية ، هم يستحقون عقاب النازية ، وعقاب ألمانيا لأنها انتجت النازية ، مثلما انتج أهل تكريت الدواعش ؟ وشيء طبيعي في مثل هذه الحالة أن لا يكون الجواب محصور بين لا ونعم . ما لم نثبت اولاً التطابق التام بين تكريت وألمانيا . وهنا نجد أنفسنا ، لحسن الحظ لا نحتاج لجهد البحث لكي نثبت ذلك التطابق ، لأنه سيغدوا جهد لا طائل من وراءه ، حينما نحاول أن نثبت الواضح والبين في ذاته ، وما لا يحتاج لدليل ، كثبات وجود الشمس في عز الظهيرة . فما الحاجة للإتيان في الوثائق والأدلة التي تدل على نازية ألمانيا في الفترة النازية التي جاء بها الألمان لسلطة عن طريق الانتخابات ، ولم تجيء عن انقلاب أو خلسة ، فوصول النازية لسلطة شيء يعرفه الكل ولا يحتاج لجدل فيه ، رغم أنه في الطبع ليس كل ألمانيا نازية ، ولم يكن معارضين لها وضدها ، ومع هذا ، أيضاً لا يعني أن ألمانيا لم تكن نازية في فترة النازية ، لأن فيها من لم يكن نازياً ! وما الحاجة هنا أيضاً أن نثبت داعشية تكريت هذا التي يعرفها جل أهل العراق ويقرها أهل تكريت انفسهم وفي كثير من المواقف عبروا عنه ؟ فإذا اتضحت داعشية أكثرية أهل تكريت فهل يجوز بعد ذلك معاملتهم ككائنات برئية ومواطنين تم تحريرهم قوى غازية أجنبية ؟ ومثلما في المحاكم ، لا يمكن لحاكم أن يبرئ ويدين في نفس الوقت المتهم ويحكمه في السجن المؤبد ويعلن طلاق سراحه في نفس الوقت ، فهنا عليه أن يختار واحد من الحكمين ليكون منطقي ومفهوم من قبل الحضور . وهنا نجد أنفسنا غير محصورين بين لا ونعم ، بعد أن اتضح لنا التطابق الذي نشدناه بين ألمانيا النازية وتكريت والدواعش . وما دام تم لنا ذلك ، وعثرنا على لجواب لسؤال هل إهل تكريت هم دواعش أم لا ، وتبين لنا داعشيتهم ! فماذا ، يبقى علينا في هذا الحال أن نفعل ؟ هل نتركهم على داعشيتهم ليكرروا مع كل فرصة فعلتهم المشينية ، إما عليهم أن يعاقبوا ويكفروا عن خطيئتهم كما كفر الألمان عن عار النازية . لقد قام الألمان في التكفير عن خطيئتهم في أعادة إعمار الألمانيا في ظروف قياسية وصعبة جداً ، ورجعوا ألمانيا إلى سابق عهدها ، وبذلك محو عار النازية وما جلبته من كوارث لبلد والعالم . فماذا علينا أن نفعل مع أهل تكريت ودواعشهم ؟ أن المنطق يدفعنا أن لا نتهيب من النتائج ، ما دمنا قد جعلنا من الفلسفة مرشداً في التحليل . فقد اثبت لنا ولقارئ أيضاً أن أهل تكريت بأكثريتهم هم دواعش وجزء منهم وعملوا معهم وساهموا في ما حل في تكريت وبقية المحافظات وما أصاب البلد من خسائر مادية وبشرية . فما الذي يوجبه العقل والمنطق من عقوبة عليهم ؟ أن العفو عن المجرم جريمة أو تكرار لجريمة ، والعقوبة هي وحدها العفو الحقيقي عن الجريمة لأنه العقوبة تعيد للمجرم إنسانية وانتماء لجنس البشري بعد أن خرج عنها بجريمته ورفض الاعتراف بالقوانين المعمول بها . قد يخيل لبعض بأن العقوبة المناسب لهم هي أعادة تثقيفهم بالروح الوطنية والقيم الإنسانية ! مادام أعدادهم كثير ولا يمكن أنزال العقوبات فيهم . فلم يبق لنا ، إذن ، سوى أن نثقفهم بتلك القيم . وحقيقة أن البعض لديه تصور ساذج عن الثقافة وعملية التثقيف وكأنها عصاة موسى تقل لشيء كن فيكن . وأنها ليس عملية شاقة وطويلة . حتى أن أندريه مالروا الروائي الفرنسي وزير الثقافة في عهد ديغول قال نحتاج خمسين سنه لكي نبني ونثقف إنسان ولا نحتاج سوى لحظات حتى ندمره . فما بالك بالرؤوس المتحجرة والذين يعرفون ما يقومون به . فلا مثقف هناك يقدر أن يصلح الشيطان ويهدي أبليس بل العكس ممكن . وإذا كانت الثقافة والتثقيف لا ينفع مع أناس على تلك الشاكلة ! فما الذي يبقى أمامنا نصعه بتلك الجموع التي امتهنت التدمير والقتل ؟ إذا ، نحن ، في المقابل ، غير قادرين على إعدامهم ؟ فكيف نحل عقد غورديس بعد أبعدنا استخدام السيف في قطعها ؟ لعل ألمانيا هي ذاتها ، مرة اخرى تقدم لنا الجواب ، في التكفير عن الخطيئة بالعمل لصالح الوطن وأعادة بناءه . أي أنشاء معسكرا عمل لتلك الجموع الداعشية بعد أن يتم تحرير المحافظات العراقية المتحتلة من قبل الدواعش ، وأن يجبروا على الدخول في معسكرات عمل بلباس خاص . وأن يتم تحت مراقبة وأشراف الدولة في تنظيف كل العراق وبناءه بهـؤلاء الدواعش . فقد عمل الاتحاد السوفيتي سابقاً وفي عهد ستالين ومن المواطنين العادين والذين لم يقترفوا أي ذنب معسكرات عمل لبناء الدولة السوفييتي . فهذه هو ابسط عقاب لهم ، وهو افضل من دروس تثقيفية للك الأدمغة المتحجرة . لأن ترك هؤلاء بلا عقاب مضر في البنية النفسية لكل من المواطن العادية ويشجع الدواعش على الاستمرار في فعلتهم متى سنحت الفرصة . أن معسكرات العمل هي يجب أن تكون المدارس التثقيفية لهـؤلاء الأوباش والقتلة . فهي يجب أن تكون جحيم ومطهر وفردوس دانتي ، العملية التي يتطهر بها الأثام من خطئيته . ففردوس العراق لا يمكن أن تقام ولديها تلك الكتلة الهائلة من القتلة . ومع علمنا أن هذا اقترح سوف لن يلتف له أحد ، لا لكونه مضر أو مهين أو بعبارة أخف غير واقعي ، وإنما لكون الدواعش كثيرون في مفاصل الدولة ، وسينظرون لكل عقاب لدواعش وخصوصاً إذا كانوا من أبناء المحافظات " السنية" أهانة ما بعدها أهانة ، فهم لهذه الصفة وحدها محصين من كل عقوبة حتى لو خربوا البلد وقتلوا العباد وهدموا الاقتصاد ، وسيشاركهم هذا الرفض جل كبار قادة الشيعة أيضاً ، لا لأن جريمتهم لا تستحق من مثل هذا العقاب التأديبي والتثقيفي والأخلاقي كذلك ، وإنما ، لأن مثل هؤلاء القادة ، لم يتعلموا بعد أن يضعوا أنفسهم على قدم المساواة مع نطرائهم السنة فهم دأبوا على يبررون أفعالهم ويجدون لها الأعذار . ولكن نحن قدمنا اقتراحنا هذا ، وفاء لوجهة نظر الفلسفة ، التي تنشد الحقيقة وقول كلمة حق في حضرة سلطان جائر .
هاني الحطاب