ودّعت السينما الإيطالية والعالمية مساء أمس المخرج والسينارست الإيطالي إيتوري سكولا (1931-2016) . توفي إيتوري في روما تاركاً وراءه عشرات الأفلام، بينها41 حملت توقيعه كمخرج، وأكثر من 90 نصا، ككاتب سيناريو.
ولد آخر معلمّي السينما الإيطالية في 1931 في مدينة تريفيزو بالقرب من نابولي، وتعود بداياته في عالم السينما إلى عام 1953، من خلال كتابة السيناريوات. صحيح أنّه كان ينوي السير على خطى والده في دراسة الطب، إلا أنّه تحوّل إلى القانون، ثم إلى صناعة الافلام.
أخرج سكولا فيلمه الأوّل " لنتحدث عن النساء" (1964)، لينضم إلى صف المخرجين الإيطاليين العالميين عبر فيلمه،كم أحببنا بعضنا، "وفيلم الشرفة, وفيلم العائلة.
في عام 1976، حاز جائزة أفضل مخرج في "مهرجان كان السينمائي الدولي" عن فيلمه "قبيح، قذر وسيء"، قبل أن يحصل في السنة التالية على أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن شريط "يوم خاص" الذي كتبه وأخرجه بنفسه.
لائحة أفلام إيتوري سكولا المميّزة تضم عناوين كثيرة، بينها "ليلة في فارين" (1982)، و"كم الوقت الآن؟" و"رحلة القائد فراكاسا" (1990
باولو مورغيني ،أهم النقاد السينمائيين الإيطاليين، كتب يقول" إنّ سكولا كان من الأصوات السياسية القوية في السينما الإيطالية بعد الحرب"، موضحاً أنّه "تمتع ببصيرة ميّزته عن غيره من المخرجين، ومكنته من فهم الاتجاه الذي كانت تسير إليه إيطاليا في ذلك الوقت" إلى جانب العمل في الفن السابع، برز سكولا كعضو بارز في "الحزب الشيوعي الإيطالي" الذي أنجز مجموعة من الوثائقيات لصالحه، فيما شغل منصب وزير الثقافة في حكومة الظل التي أنشأها الحزب في عام 1989.
لم يبرع أحد في تجسيد إيطاليا على مدى نصف قرن بدءاً من الحقبة الفاشية حتى بداية القرن الحادي والعشرين، كما فعل هو. إيتوري سكولا الذي كان يطلق عليه بـ" المايسترو" المعلم، الذي رسمت أفلامه "بورتريه" لإيطاليا القرن العشرين، والتفاوت الطبقي، والمعاناة والندم، وأوهام اليسار الذي انتمى إليه، انسحب نهائيا الى الموت " بعدما تعب قلبه من الخفقان" وفق ما قالت زوجته وابنتاه لإحدى الصحف المحلية.
قبل ذلك، وتحديداً في عام 2011، انسحب "الرفيق"من صناعة الأفلام لأنّه " يعجز عن التأقلم مع عالم سينما اليوم، كما كان يفعل في السابق بحب وفرح وخفة. هناك منطق للإنتاج والتوزيع لا يشبهني البتة".
معلم السينما الإيطالية منذ الستينات حتى نهاية القرن العشرين، يعتبر من الأوائل الذي صنّفوا ضمن فئة «الفتيان السحرة» في الفن السابع الإيطالي. عكست أفلامه التأثيرات الاجتماعية في أعمال عمالقة السينما الإيطالية ما بعد الحرب مثل فيتوريو دي سيكا، وفيدريكو فيلليني وروبرتو روسيليني وأنطونيوني، فطعّم أسئلته حول السياسة والإنسانية والسينما بالكوميديا التي رافقت معظم أفلامه. "لقد أحببنا بعضنا كثيراً" (1974 ــ "سيزار" أفضل فيلم أجنبي عام 1977) مع نينو مانفريدي، ستيفانيا سانديريلي، فيتوريو غاسمان، وستيفانو فلوريس روى ثلاثين عاماً في تاريخ إيطاليا (1945 ــ 1975)، ويعد بحثاً في التيارات الاجتماعية التي أنتجتها الحرب، ووجّه من خلاله تحية إلى السينما الإيطالية المشغولة بتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفيلم" قبيح، قذر وسيئ" (جائزة أفضل مخرج في «مهرجان كان» في عام 1976) كوميديا فجّة تدور في إحدى عشوائيات روما السبعينات المهددة بالتوحش العمراني الزاحف. أما سكان الحي، فيسترزقون من السرقة والدعارة وواقعون تحت رحمة الأزعر المستبد والأعمى الذي يجسده نينو مانفريدي أيضاً. أما فيلم " يوم خاص" (1977) مع الرائعين صوفيا لورين ومارشيللو ماستروياني، فيذهب بنا إلى ذروة الفاشية في إيطاليا.
على مدى نصف قرن، كتب سكولا وأخرج أكثر من 40 فيلماً روائياً ووثائقياً، أي بمعدّل فيلم كل عام اخراجاً، فيما كتب سيناريو لأكثر من 90 فيلماً آخر. ابن الطبيب المولود في 10 أيار (مايو)1931 فيمدينة تريفيزو الصغيرة في الجنوب الإيطالي، درس المحاماة بدايةً، ثم اختار التفرغ كلياً لعالم السينما. يمكن فقط النظر إلى فيلمه الرائع "يوم خاص" (1977 ــ "جائزة الغولدن غلوب" كأفضل فيلم أجنبي) كي نفهم ماذا تعني السينما بالنسبة للرجل: أنتونييتا (صوفيا لورين) ربةُ منزلٍ بسيطةٍ وأم لستة أطفال تعيش في إيطاليا عام 1938 إبان حكم الفاشيين، تجلس في منزلها في انتظار عودة زوجها ــ المنتمي للحزب الفاشستي ــ من احتفالٍ في مناسبة زيارة الزعيم النازي أدولف هتلر إلى إيطاليا. لا تعرف أنتونييتا كثيراً عن السياسة. على جانبٍ آخر هي تهتم بجارها في السكن غابريللي (مارشيللو ماستروياني) مذيع الراديو الذي طرد من عمله لعدائه للفاشية. تحاول أنتونييتا إغراء غابريللي وإقامة علاقةٍ معه لسأمها من حياتها مع زوجٍ يخونها ولا يحبّها؛ لتكتشف أنّه مثلي الجنس. هذا الاكتشاف لا يمنع الاثنين من التقرّب من بعضهما، وحتى إقامة علاقة جنسية. يختتم الفيلم ــ على عادة أفلام سكولا- بنهايةٍ هي الأكثر واقعية: أنتونييتا تعود إلى المنزل وتبدأ بقراءة كتابٍ أعطاه إياه غابريللي" الفرسان الثلاثة" للكاتب الكساندر دوما، البوليس الإيطالي يلقي القبض على غابريللي ليلقى به في السجن، بينما يعود زوج أنتونييتا إلى المنزل كي ينجب طفلاً سابعاً منها.
لم تكن أنتونييتا في الفيلم إلا إيطاليا بحد ذاتها (أو الشعب الإيطالي)، فيما غابريللي هو " اليسار" الإيطالي الذي يحاول " توعية" الشعب، ولو أنّه بدا غريباً عنه في لحظةٍ ما، أو غير مقبول في إطارٍ آخر. ويأتي الزوج بمثابة الدولة والنظام "القمعي" الذي يطوّع الشعب لما يريده، ويحصل على غاياته مهما كان "رديئاً" في كل شيء. الثيمة نفسها تتكرر في فيلمه "قبيح، قذر وسيء" الذي يقدّم صورةً لعائلةٍ "إجراميةٍ" بسيطة، تعيش في منزلٍ واحد. إنه منزل ديكتاتوري يحكم فيه "قائدٌ" واحد، ومهما ازداد الدخل، فإن الكوخ الذي يسكنون به يبقى "كوخاً". لا يصرف جيا (نينو مانفريدي) أمواله إلا كما يحب، يحرم أطفاله كل شيء، ويغدقها على عشيقته. تحاول زوجة جيا التحضير لانقلابٍ عليه، لكنها تفشل، فيقرر جيا أن يحرق المنزل، لكن في الختام: يعود كل شيءٍ إلى مكانه الطبيعي، وبالتأكيد من دون أن يشعر أحدٌ بالرضى عما يحصل.
يعود جيا لقيادة المنزل والعائلة، وتسكن زوجته وعشيقته تحت سقف واحد مع العائلة بأجمعها. هي صورة إيطاليا التي يحكمها " ديكتاتور" (وليس بالضرورة أن يكون موسوليني فقط) الذي يدمر كل شيء، ويفعل كل شيء، وفي النهاية مهما حصلت انقلابات وحكومات، تعود الأمور إلى ما كانت عليه. رؤية سكولا الذي انتمى إلى الحزب الشيوعي الإيطالي، انصبت أساساً جراء كونه قادماً من الجنوب الإيطالي الأكثر فقراً. ورغم أنَّ كثيراً من أفلامه كانت تحدث في روما، إلا أنَّ روح التمرد والثورة كانت ملازمة لآرائه وأفكاره السياسية. ولا ريب أنَّ أكثر أفلامه اقتراباً من فكرته تلك كان " لقد أحببنا بعضنا كثيراً" (1974 ــ الجائزة الذهبية في مهرجان موسكو السينمائي الدولي"ــ. يتناول الفيلم علاقةً بين ثلاثة أصدقاء: جياني، أنطونيو ونيكولا. يحارب الثلاثة النظام الفاشي في إيطاليا آنذاك حتى سقوطه، بعد ذلك تدور الحياة بهم. يلتقي الأصدقاء بعد تلك المرحلة بسنين طوال، متحدثين عما يمرون به فيتناول أنطونيو حياته –حيث يعمل في مجال البناء- بهدأةً شديدة، مؤكداً أنه لا يندم على شيء، فهو تزوج حب حياته، وظل محافظاً على مبادئه وإن لم يحقق "ثروةً " من أي نوع. جياني الذي أصبح يعمل في القضاء، يعيش في روما وحيداً بعدما قضت زوجته؛ أما نيكولا وهو محور القصة، فقد كان الأذكى بين الثلاثة. ورغم أنّه حاول أن يحقق ثروةٍ من خلال طرقٍ عدة، إلا أنّه لم يستطع نهائياً ذلك، فتحول إلى الكتابة مقابل " المال"، من يدفع أكثر، يكتب له أكثر. من يشاهد الفيلم يمكنه بسهولةٍ بالغة أن يلاحظ أنَّ إيتوري المفكر والمثقف، كان يتحدث دائماً من خلال شخصية أنطونيو، صاحب المبادئ والأفكار التي لم يتنازل عنها أبداً، وحتى حينما نشاهد نيكولا يحاول ضربه، يبقى مصمماً على ما يقوله. كان تناول سكولا لتلك الشخصيات التي أفرزتها نهاية الحرب في المجتمع الإيطالي دقيقاً لدرجة أنه يمكن تطبيقه على أي مجتمعات خارجةٍ من حروبٍ طاحنة، مثل مجتمعنا العراقي: المثقف القابل للبيع والشراء، التائه الذي يعمل داخل النظام الذي يقبل بأي شيءٍ يفرض عليه، والمناضل القديم الذي يدفع ثمن مبادئه فيبقى –وإن كان سعيداً- من دون مكاسب مادي.
البدايات الأولى لإيتوري سكولا متمثّلة بكتابة سيناريوهات عديدة، يُخرج دينو ريزي (1916 ـ 2008) بعضها، كـ "التفوّق على الذات" (1962). يميل سكولا ـ المتورّط في لعبة كوميدية أيضاً، بل قبل كلّ شيء آخر ـ إلى نَفَس سوداوي لاحقاً، خصوصاً في "لقد أحببنا بعضنا بعضاً كثيراً" (1974). في هذا العمل، يؤدّي فيتّوريو غاسمان (1922 ـ 2000) دوراً أساسياً، هو الذي يمثّل في الفيلم الأول لسكولا " دعنا نتحدّث عن النساء" (1964). يلتزم سكولا قضايا أناسٍ هامشيين. ينتقد أحوال البلد وناسه في آن واحد. يتعمّد إيلاء الفرد أولوية في نصّه السينمائي الإبداعي. يقرأ أحوال هؤلاء الهامشيين، ليعاين تبدّلات اجتماعٍ واقتصادٍ إيطاليين.
كلامٌ كثير يُمكن قوله في رحيل هؤلاء الثلاثة. الموت دافعٌ، أحياناً، إلى استعادة، تبقى ناقصة. قراءة محطّات وأفلام لن تشتمل على " الأعمال الكامل" لكلّ واحد منهم. هذا صعبٌ في لحظة كهذه. لكن الكتابة نوعٌ من تحية وداع، لا أكثر.
في مقابلة مع هذا المخرج العملاق، نشرت في صحيفة " لو موند" الفرنسية، قال سكولا: أصنع الأفلام ذاتها تقريباً. لطالما انشغلت بنظام العزلة والتفاوت الطبقي. أنطلق دوماً من فكرة وليس فرداً لأحولها إلى كوميديا فجة لأنني أرى أنّها طريقة نبيلة وتراجيدية في عكس مشكلات مجتمعنا المعاصر.
كان ايتوري سكولا «مخرجاً عضوياً" على القياس الغرامشي، لا مخرجاً عادياً. وعلى عكس كثيرين من صناع السينما الإيطالية الكبار من أصحاب " الحساسية اليسارية" ، لم يهاجر بأفلامه إلى أميركا، كبرتولوتشي وكوبولا، أو تورناتوري، وإن كان ذلك لا يعيب كثيراً المخرجين الذين حملوا أنفسهم على تلك الهجرة.
لكن سكولا من طينة الراحل بيير باولو بازوليني الذي اغتالته الفاشية عام 1975في السياسة، وإن كان في السينما مزيجاً فريداً من مجموعة مخرجين إيطاليين لا يمكن الحديث عن واحد منهم من دون الحديث عن الآخر، رغم الاعتراف بوجود سحنة استثنائية تميّز أعمال كل واحدٍ منهم. وكما في فرنسا، في إيطاليا، الحديث عن "موجة جديدة" في السينما، قد يقود في نهايته إلى البحث عن هوية فلسفية للمخرجين، فإن كان المخرج الفرنسي جان لوك غوادر (مثلاً) نسوياً كسيمون دو بوفوار، أو برتولوتشي فوكوياً يقيم وزناً لتأثير السلطة والذات والمعرفة، فإن سكولا كان غرامشياً قطعاً، وليس شريطه "يوم خاص"، إلا تجسيداً سينمائياً فاتناً لرسائل أنطونيو غرامشي من سجنه في تورينو شمال إيطاليا.
ايتوري سكولا من الجنوب، وهذا يعني كثيراً في إيطاليا المعاصرة. الرجل الذي ولد في الجنوب الايطالي القابع بالفقر والفاقة والمافيا، حمل مع مجايليه آلام الجنوب التي تصح لقياس الصراع بين عالمين: واحد يلهث خلف الرأسمالية، وآخر صار يجعل العالم الأول لاهثاً خلفه. حتى عندما صار سكولا وزيراً للثقافة في «حكومة الظل» الشيوعية عام 1989، لم يكن متحمساً للتغيير من الخارج، بل كان ساعياً دائماً إلى تغيير راديكالي في بنية المجتمع. أمر بدأه في السينما قبل سنوات طويلة.
أعمال إيتوري سكولا (40 فيلماً في 40 عاماً) تطرح سؤال مكان الفرد والشعب في التاريخ، باستكشافه خفايا الذاكرة الحميمة والاجتماعية، التي تواجه اختبار الزمن. طول مدّة كلّ فيلم من أفلام جاك ريفيت، أو بالأحرى إيقاعاتها "البطيئة" أو "الهادئة في حركتها"، قابلةٌ لخلق حالة نفور واشمئزاز لدى المُشاهد. لكن، يُمكن ـ بل "يُفضَّل" كما يُردِّد البعض ـ أن تُتَّخذ أفلامه برمّتها كاختبار أو تجربة يختلط فيها سحر الصورة بقسوة الوقائع، وجمال الكادرات والتفاصيل التقنية والفنية ببهاء المسارات الإنسانية التي تفكِّك كلّ شيء إما لمتعة التفكيك، وإما لتشييد عمارة بصرية مغايرة. مريدون عديدون لأفلام ريفيت يقولون إن طول مدّة كل فيلم من أفلامه يُمكن أن تتحوّل إلى عامل إيجابيّ، إذْ تتيح للمُشاهد أن "يتحرّك" في الفيلم كما يحلو له، مشاركاً بهذا في "عملية الخلق الفيلميّ" في كلّ مشاهدة جديدة.
موسى الخميسي