د. هادي حسن حمودي
(1)
معنى النحل: أن تؤلف كتابا أو نصا وتنسبه لغيرك. وبهذه التهمة أسقط بعض الباحثين شعر الفترة التي سبقت ظهور الإسلام وعاصرت ظهوره. وهي تهمة باطلة لا يرتضيها العلم لأسباب شتى نوقشت مرارا وتكرارا. ومثل ذلك تشكيكهم في نسبة كتب عديدة في التراث كزعمهم أن كتاب العين ألفه آخرون جاؤوا بعد الخليل (تـ 175 هـ) ونسبوه إليه.
وأما الانتحال فأن تسرق نصا أو كتابا نشره غيرك. وفرض أحد الكاتبين نوعا جديدا من النحل هو (النحل الذاتي) حسب قوله، أي أن الكاتب أو الشاعر الذي يعيد نشر نصه أو كتابه مرة أخرى، فهذا عند المذكور نحل أيضا. ونرى أن لا علاقة لهذا بالنحل. فالكاتب أو الشاعر حر في النص الذي ينشره، شعرا أم نثرا، وأن يغير فيه ما يريد، وأن يعيد نشره، إلا في حالة واحدة، أن يكون قد تنازل عن حقوق النشر لجهة أخرى، فحينذاك يكون عمله مخالفا لعقد النشر، ولا علاقة له بالانتحال.
وعلى النحل والانتحال في أنواعه المذكورة أمثلة نذكرها لاحقا.
(2)
ذكرت مرارا وتكرارا ما أؤمن به، وآمل أن يتخذه الآخرون نهجا في النقد. ذلك أنه ينبغي على الناقد أن يكون نقده للنص لا للشخص، ولا لمعتقده أو بلده. وليرسله قبل نشره إلى كاتب النص، يستمزج رأيه، فعسى أن يكون له عذر، أو عسى أن يكون قد فات الناقدَ شيء، أو عسى أن يكون متجنيا على الآخر.
وإني لأرى أنّ (النقد) بغير هذا النهج ليس نقدا بل هو (استعراض عضلات، وتصفية حسابات) والحب المتضخّم للذات، والتعبير عن العقد النفسية أو الضغينة، ضد الكاتب أو بلده أو معتقده. أو ضد ذلك كله.
وحدث في عديد من المرات أن مبدع النص يُتّهم بالانتحال، إذا استعاد نصّه ممن أخذه بإعادة نشره مكتفيا بأن يُفصح بإعادة النشر لا أن يَفضَح بصريح الكلام.
وتتعدد أسباب هذا الموقف. ومن تلك الأسباب ما يأتي في رقم 3 .
(3)
عبر التاريخ انتحل أشخاص من ذوي مناصب ملحوظة في المجتمع، إداريا أو اقتصاديا، أو دينيا، نصوص آخرين من معاصريهم. ومن ذلك أن أحمد بن فارس (تـ 395 هـ) كتب كتاب (الحجر) وأنفذه إلى الصاحب بن عباد (تـ 385 هـ) فقال هذا: ردّوا الحجر من حيث جاء. ولكنك حين تقرأ مؤلفاته ستجد (كتاب الحجر) من بينها. ولم نقرأ لابن فارس ردّا على هذا، ولكننا نعلم أن كتاب (الحجر) له. وهو مذكور في جملة مؤلفاته.
وحدث مثل هذا في العصر الحديث كثيرا، إذ يسطو رفيع المكانة الإدارية أو الاجتماعية أو الدينية على نص ما. وفي هذه الحالة غالبا ما يفضل بعض الكتاب أو الشعراء، المسروقة نصوصهم الصبر إلى أن تسمح الظروف بكشف الحقيقة مع البرهنة عليها. ومن ذلك ما كان يفعله رئيس مجلس إدارةٍ ورئيس تحريرٍ في مجلة ثقافية رسمية تصدر في إحدى العواصم العربية بانتحال الجيد من كتابات كتاب وقصائد شعراء لا يجرؤ أحد منهم أن يتهمه بشيء، خاصة مع غياب الدليل الجازم الحاسم. ومثله آخرون.
وبعضهم يردّ ويفضح بالرغم من علمه بأن ذلك سيؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه، له أو لغيره، بشكل أو بآخر.
وقد يلجأ أديب إلى طريقة أخرى فيكتفي بإعادة نشر نصه المأخوذ من غير إشارة إلى المنتحل للأسباب المذكورة، أو من أجل دفع ضرر أكبر بضرر أصغر. ولم أرَ منتحلا تجرّأ بشيء على اتهام مبدع النص الذي استعاد نصه. وإن كان على هذا الأخير أن يتحمل تهمة الانتحال من بعض الذين ينطبق عليهم قول الشاعر:
إن يعلموا الخير أخفَوهُ، وإن علموا
شرّا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا
وقول الآخر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا
منّي، وما سمعوا من صالح دفنوا
صُمّ إذا سمعوا خيرا ذُكرتُ به
وإنْ ذُكرتُ بسوء عندهم أذنوا
أي سمحوا بذلك وأنصتوا له ونشروه.
(4)
وعلى مر الزمن وجهت تهمة الانتحال لكثيرين، حتى لا يكاد أحد يسلم منها:
* النبي الكريم إذ اتهموه بانتحال أساطير أمليت عليه، أو أنه انتحل القرآن من التوراة.
* مجموعة من شعراء القرن الهجري الأول ورواته مما ذكرته كتب النحل والانتحال.
* المتنبي الذي رد على بعضهم ردأ عاما غير مخصص، وذلك قوله لسيف الدولة الحمداني:
أجِزْني إذا أنشدتُ شعرًا فإنما
بشعري أتاك المادحون مُردَّدا
ودعْ كلّ صوت غير صوتي فإنّني
أنا الشاعرُ المحكيّ والآخرُ الصدى
ولكنّ أبا تمام والبحتري والطغرائي ونظراءهم، تجاهلوا تلك الاتهامات، تجاهل المبدعين للمتصيدين في المياه العكرة.
* الجواهري، فقد اتهم بانتحال قصائد من البحتري نسج على منوالها. وترفع الجواهري عن الردّ عليهم.
* نزار قباني، في عديد من قصائده, ومنها (قارئة الفنجان) إذ زعم الزاعمون أنه انتحلها من قصيدة للفرنسي جاك بريفير. وتحدثوا عن انتحاله قصائد أخرى. ولم يردّ نزار على الزاعمين.
* ومنهم الناقد المصري المعروف الدكتور محمد مندور حين وجهت له تهمة الانتحال على أساس أنه انتحل كتابا له من كاتب أوربي. ولم يردّ على التهمة لأن أسبابها سياسية مبنية على حزازات فردية وضغينة. وقد سمعت ذلك منه في مؤتمر الأدباء العرب الذي انعقد في بغداد في الستينيات وكنت حينها طالبا في كلية الآداب.
* ومنهم أدونيس، ولكن التهمة لم توجه إليه إلا بعد موقفه السياسي مما يجري في سوريا، فانطبق على أولئك النقاد ما درج في لغة الصحف بأنه (تصفية حسابات).
(5)
وهذا لا يعني عدم وقوع انتحال، كلا، فالانتحال واقع، شرقا وغربا. وسبق لي ولعديد من الباحثين أن ذكرنا نماذج من انتحالات كتب مؤلفة أو محققة، بعد أن تأكدنا من كونها انتحالا، حتى إن كان القانون لا يستطيع إدانة ذلك لعدم وضوح مفهوم النحل والانتحال وشروطهما قانونيا، مما لا يتسع له المجال هنا.
وعلى هذا فسيكون أول واجب على من يتهم آخر بالانتحال أن يتأكد، وأن يراجع من يظنه منتحلا أو ناحلا، ليستمع لرأيه وقوله، قبل أن يرمي شعلة نار فوق كومة حطب يابس، فيسقط في حمأة الافتراء والتدليس والتسقيط.
وعُدْ عزيزي القارئ إلى ما ذكرته في رقم (2) و(3).
د. هادي حسن حمودي
(لندن)