ثقافة وأدب

د. هادي حسن حمودي

بجهود خاصة مشروع ثقافي فريد في المغرب الأقصى ومخطوطة جديدة

16/11/2021 21:17
من محاسن وسائل الاتصال العصرية أن كتب لي الأستاذ عبد العزيز الساوري من المغرب الأقصى يبشرني بأن عائلة الساوري الكريمة بصدد إنشاء بيت أحمد بن حمادة الساوري، في الدار البيضاء ليكون مركز تحقيق التراث العربي الإسلامي عموما، والتراث الأندلسي والمغربي خصوصا. وفيه يلتقي المحققون يتداولون شؤون إحياء التراث. يروم هذا المركز الذي يمكن عده بيت علماء الكتاب العربي المخطوط خدمة التراث وتوفير ظروف اللقاء والتعارف والتعاون بين الباحثين. ومن المقرر افتتاحه إبان شهر فبراير المقبل من سنة 2022م في بيت الأستاذ عبدالعزيز الساوري نفسه. ومن المؤمل أن يتيح للباحثين التعارف والتبادل العلمي والتعاون الفكري والثقافي لخدمة تراثنا الغني واستكمال مشاريعهم العلمية بتحقيق المؤلفات النادرة والنصوص المخفية المبثوثة في المكتبات والخزائن العالمية. وسينشئ المركز مكتبة تضم نفائس الكتب مما يتيح للمحققين التواصل مع المخطوطات تحقيقا وإحياء. وفي هذا الإطار صدر أثر سبتيّ (نسبة إلى مدينة سبتة المغربية) ذات علاقة بالاقتصاد، والعملات والأوزان والقياسات المتداولة تراثيا: (إثبات ما ليس منه بدّ لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمُد)ّ من تأليف أبي العباس أحمد العزفي السبتي المتوفى سنة 633 ه‍. وقد أهدى المحقق الأستاذ محمد الشريف الكتاب إلى روح العلامة الفقيه محمد بن عبد الهادي المنوني وزاد في الإهداء جملة ذات مغزى وطني عميق (إلى كل من يحمل همّ سبتة السليبة). وقد جاء في مقدمتها توضيح شامل للكتاب وتاريخه وأهميته. فقد ذكر المحقق أمرين حفّزاه لإصدار الطبعة الأولى ثم استكمالها بطبعة ثانية، وهما: (أولهما: الصدى الطيب والعناية التي لقيها لدى الباحثين المتخصصين المهتمين بتاريخ الغرب الإسلامي وبتراثه. فقد كان تخريجُنا لكتاب العزفي ودراستُنا له موضوعَ قراءات وعروض نقدية في الصحافة الوطنية وفي المجلات العلمية المتخصصة داخل المغرب وخارجه ، كما أنه ساعد على ضبط عدد من النصوص التاريخية التي حُققت لاحقاً ومثّلَ الأساس المصدري لعدد من الدراسات الحديثة ؛ ولا غرابة في ذلك لأن الفقيه العزفي يقدم لنا نصا مفيدا يسلّط الضوء على جوانب دقيقة من تاريخ الفكر الاقتصادي في الإسلام، هي المتعلقة بالنقود والمكاييل والأوزان ، التي شكّلت عصب الحياة اليومية للمجتمعات المسلمة، باعتبارها المحدّد الرئيس لقيمة السلع، والأساس الموضوعي لعمليات البيْع والشراء، ناهيك عن حضورها الضروري في (المعايش العادية) وفي (المُعاملات) الدينية المرتبطة بتقدير النُّصب الشرعية من زكاة وديّة وصَداق. الأمر الثاني : العثور على نسخة خطية ثانية من الكتاب. فقد كانت الطبعة الأولى تقوم على نسخةٍ خطيةٍ وحيدةٍ، هي نسخة مكتبة ابن غازي، لمؤسسها العلامة محمد بن عبد الهادي المنوني المكناسي، رحمه الله. وهي نسخة مبتورة من أولها ووسطها وآخرها، كانت في ملك ابن رشيد السبتي المتوفى سنة 721 ه‍ ، وقد آلت الآن إلى مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض. ونتيجة ذلك كان لا بدّ من إخراج الكتاب بطريقة علمية تحقق المتوقع منه في نفع الآخرين. ولكن نظرا لكون النسخة وحيدة يتيمة فاحتمال وقوع الخطأ فيها كبير. ولكن المحقق الأستاذ محمد الشريف رأى الإصدار ضروريا بناء على قناعته بأن تعليق نشر النصوص التراثيّة (أي عدم نشرها) على إحْراز درجة من الكمال في تحقيقها يُفَوّت على الباحثين والمهتمين الكثير من الفائدة، خاصّة تلك التي لها ارتباط بمجالات علميّة دقيقة، أو تقنيّة، مثل النقود والأوزان والمكاييل، موضوع هذا الكتاب. وكان غياب نسخة أخرى من التأليف قد فوّت على التحقيق إمكانية المقابلة والمقارنة، لسدّ ثغراته، ولا سيما الخروم والبتر التي تتخلل بعض مقاطعه. ولكنْ، في هذه الإصدارة الجديدة استعان المحقق بالأستاذ عبد العزيز الساوري الذي يصفه بأنه (الشغوف بالمخطوطات والعارف بخباياها، والمطلع على التراث المغربي الأندلسي والمتيمم بأعلاقه وبنوادره) إذ وقف عبد العزيز على نسخة أخرى سعدية ثمينة من كتاب العزفي، توجد الآن في مكتبة الشيخ نظام يعقوبي العباسي لم تعلق بها يد أحد من قبل، وهي نسخة كاملة جاءت لتسد جميع ثغرات النسخة الأولى، ولتقدم عناصر الإجابة على كثير من التساؤلات والفرضيات التي طرحتها الطبعة الأولى، من قبيل تاريخ تأليف الكتاب ودواعيه ... إلخ. ولقد قام الأستاذ عبد العزيز الساوري، خبير المخطوطات والوثائق بوزارة الثقافة المغربية، بإخراج متن النسخة الثانية ومقابلته بالنص المطبوع، مقوّما بذلك كل خلل شاب الطبعة الأولى. بحيث تمكن السيد محمد الشريف من القول (بكثير من الاطمئنان إن النص في صيغته الجديدة يحمل من الدقة والضبط ما يسمح بافتراض أنه أقرب إلى النسخة الأصلية التي خطها الفقيه العزفي بقلمه). يقع الكتاب في 350 صفحة من القطع المتوسط .
هادي حسن حمودي (لندن)

مشاهدة الموقع بالنسخة العادية