د. وعد صفوان الرومي
الولاية، في اصطلاح الشيعة بمعنى القيّومية وحقّ التصرف للمعصومين عليهم السلام في حقّ الخلق بتخويل من قبل الله تعالى. وتنقسم الولاية إلى ولاية تشريعية وولاية تكوينية وزيدت إليها الولاية السياسية.
وقد حصر القرآن الكريم حقّ الولاية بالله تعالى، وهو يمنحه ويهبه لمن يشاء من عباده، وبناء على المعتقدات والأسس الدينية فإن الله تعالى قد منح الأنبياء والأئمة والفقهاء هذا النوع من الولاية وجواز التصرف كلٌ بحسبه.
هذا مع أنّ الولاية التشريعية هي من مختصاته تعالى منحها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره من الأنبياءعليهم السلام، واختُلف في أنّ الأئمة لهم حقّ في هذا التشريع أم لا، وأهم مميزات الولاية في حجّية كلام هذا الولي ولزوم طاعته.
مفهوم الولاية
الولاية مصدر لمادة "وليَ" والمعنى الأصلي للكلمة، كما ورد في (المفردات) للراغب الإصفهاني هو أن يكون الشيء إلى جانب شيء آخر بحيث لا يكون بينهما فاصل. أي إذا اتصل شيئان معاً اتصالاً لا فاصل بينهما نقول إن أحدهما (يلي) الآخر.]
والكلمة تستعمل أيضاً في حالات القرب عموماً، سواء أكان قرباً مكانياً أم قرباً معنوياً، ومن هنا تتداعى معاني اللفظة لتشمل المحبة، والعنوان، والتصدي للأمر، والتسلط، وكثيراً من المعاني الأخرى المتقاربة الأصل, والتي يضمها جميعاً نوع من الاتصال والتقارب.]
كما أنها استعملت أيضاً في هذا المعنى في أسماء الله تعالى بمعنى الناصر.]
وحتى قيل إن للفظة (مولى) سبعة وعشرين معنىً، هي: (1 - الرب 2 - العم 3 - ابن العم 4 - الابن 5 - ابن الأخت 6 - المعتق 7 - المعتق 8 - العبد 9 - المالك 10 - التابع 11 - المنعم عليه 12 - الشريك 13 - الحليف 14 - الصاحب 15 - الجار 16 - النزيل 17 - الصهر 18 - القريب 19 - المنعم 20 - الفقيد 21 - الولي 22 - الأولى بالشئ 23 - السيد غير المالك والمعتق 24 - المحب 25 - الناصر 26 - المتصرف في الأمر 27 - المتولي في الأمر).]
واللفظة تستعمل أيضاً في المواضع المادية الجسمانية، كما تستعمل في المواضع المعنوية المجردة، ولكن الذي لا شك فيه هو أنها أول ما استعملت في المواضع المادية، ثم امتد استعمالها للمعنويات المجردة عن طريق تشبيه المعقول بالمحسّ، أو عن طريق تجريد معنى المحسّ، وذلك لأن اهتمام الإنسان بالمادي المحسّ ـ سواء من وجهة نظره كفرد، أم من وجهة نظر المجتمع البشري في طول تاريخه ـ يسبق اهتمامه بالمعقول المعنوي. أما البشر، بعد إدراك المعاني والمفاهيم الحسية، يتنقل تدريجياً إلى درك المعاني والمفاهيم المعنوية. وهو بالطبع قد استعمل الألفاظ نفسها, التي كان يستعملها للمسائل المادية، بمثل ما لبعض العلوم من مصطلحاتها الخاصة، أو أنها تستخدم ألفاظاً دارجة وتحملها معاني ومفاهيم خاصة تختلف عن معانيها ومفاهيمها المألوفة.
إمكان الولاية للإنسان
والألفاظ المماثلة الأخرى المشتقة من مادة ولي، هي من الألفاظ المستعملة كثيراً في القرآن على اختلاف اشتقاقاتها، فقد ترد اسماً في 124 موضعاً، وترد فعلاً في 112 موضعاً من القرآن الكريم.
وعلى أساس هذه الآيات المباركة فالله تعالى هو خالق الإنسان وهو أولى به وصاحب الولاية عليه، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾وعليه فكل معاني الولاية ترجع إلى الله تعالى وهو ذو الحق فيها.
بعض الناس يقبل هذه الولاية فهم يقرّون بحاكمية الله تعالى وولايته عليهم فهو وليهم، بينما أهل الكفر لا مولى لهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾]
وهناك آخرون يتنصّلون من هذه الولاية فيلجؤون إلى ولاية الشيطان. فالمؤمنون هم أولياء الله تعالى والله تعالى هو وليهم، فهو يأخذ بهم إلى وادي السعادة وونجيهم من الضلال والعمى، واما من لا يقبل ولاية الله تعالى فهو في الضلاة والظلمات﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.]
والقادر على إعمال الولاية في الأمور التكوينية بصورة مستقلة هو الله تعالى وقد فوّض لبعض أوليائه المقرّبين بالتدخل في ذلك لا مستقلين عنه بل في ضمن ولايته (جلّ وعلا) وفيما يُرضيه.
بينما في الأمور التشريعية وفيما يُسمّى بتقنين الأحكام والمسائل الدينية والاجتماعية مما يأخذ بيد الناس إلى السعادة الدائمة، فقد ذهب قوم إلى أن لا ولاية لأحد سواه، وقيل بأن للنبيصلی الله عليه وآله وسلم والأئمة (عليهم السلام).]
أقسام الولاية
الولاية تنقسم إلى أقسام منها:
الولاية التكوينية
الولاية التكوينية أو الحقيقية عبارة عن القدرة على التصرف في أي شيء وتدبيره على أي نحو يريده من عنده هذه الولاية، وهي أيضاً بمعنى امتلاك القدرة والاختيار في الأمور التكوينية، وامتلاك قدرة التصرف في شؤون العالم وتغيير نظامه الطبيعي.]
والولاية التكوينية في الواقع هي من شأن الله تعالى، وبناءً على أساس التوحيد الربوبي فإن الله تعالى بقدرته وإعمال ولايته يدير الكون، ويُجري ربوبيته وولايته بأشكال مختلفة، وفي القرآن الكريم إشارة إلى ولاية الله تعالى التكوينية﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.]
كما أشارت آيات متعددة إلى أن الولاية منحصرة في الله تعالى ولا يمكن لأحد أن يفعل شيئاً، والتوجه لغير الله تعالى ظلم عظيم كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.]
الولاية التشريعية
للولاية التشريعية معنيين: معنى عام ومعنى خاص، وكل نوع من الولاية التي لا تستلزم التدخل في الأمور التكوينية للعالم يقال له ولاية تشريعية.
هذا النوع من الولاية يشمل الولاية التفسيرية والولاية السياسية والولاية التشريعية بالمعنى الخاص، وهذه الولاية عبارة عن الولاية التي قبولها على خلاف الولاية التكوينية، فهي اختيارية ولا إجبار فيها، كما اعتبر القرآن الكريم أن قبول دين الله تعالى (التوحيد) وولايته أمر اختياري، وأمّا أولئك الذين لم يقبلوها فقد اعتبرهم خارجين من تحت ولايته، وفقط هو ولي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.]
يقول العلامة الطباطبائي : الولاية التشريعية عبارة عن القيام بالتشريع والدعوة، وتربية الأمة والحكم والقضاء في أمورها واختلافاتها. وبهذا المعنى اعتبر الله تعالى نبيه ولياً للمؤمنين.]
وأما المعنى الخاص للولاية التشريعية فهي عبارة عن الولاية في وضع الشريعة وجعل أحكام الدين. وهذا النحو من الولاية له ثلاثة أقسام بعضها مختص برسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وبعضها مختص بالحاكم الشرعي وهو ـ بناء على روايات الشيعة ـ الإمام المعصوم.]
وقد ذکر للولاية التشريعية أقسام منها:
الولاية الاجتماعية
الولاية الاجتماعية أو ما يسمّى (الزعامة) والقيادة الاجتماعية والسياسية، فعلى أساس الآيات القرآنية الحكم مختص بالله تعالى فهو الوحيد مَن له مقام الولاية على العباد، وهذا يشمل كل أنواع الولايات ومنها الولاية الاجتماعية والقيادية. ولكن لأن الله تعالى ـ لقصور في العقل البشري ـ لا يدير هذا العالم إلا بالواسطة لذا فقد أوكل هذا الأمر لبعض البشر وفوّضها إليهم ليأخذوا بيد المجتمع نحو التكامل.]
ولم ينحصر هذا المقام بالأنبياء مع أنّ من كانت له هذه الولاية والقيادة السياسية في حكم الأمة هم عدد محدود من الأنبياء، ومنهم رسول الله (ص) حيث استمرت قيادته للأمة مدة عشر (10) سنين، وبعده انتقلت هذه الولاية ـ بناء على ما في روايات الشيعة ـ بأمر من الله تعالى إلى الأئمة الإثني عشر حيث نزل الأمر الإلهي يوم الغدير في السنة العاشرة للهجرة بتعيين علي بن أبي طالبعليه السلام خليفة بعده يقوم بأمر الأمة الإسلامية، وهناك قدّم كل من حضر الموقف البيعةَ لهعليه السلام.
وعلى هذا الأساس يعتقد الشيعة أن الولاية بعد رسول اللهصلی الله عليه وآله وسلم منحصرة في علي بن أبي طالبعليه السلام، وبعده ـ بناء على ما ورد من أحاديث ـ انتقلت إلى باقي الأئمة من ذريته وهم الأئمة االمعصومون (عليهم السلام).
الولاية التفسيرية
هذا النوع من الولاية بمعنى أن مجموعة من الناس من خلال الاستفادة من العلوم اللدنّية والاطلاع على معاني الآيات الكريمة وسائر الكتب السماوية يقومون بشرح وبيان ما خفي من تلك الآيات الكريمة والكتب السماوية، ويحفظون دين الله تعالى من الانحراف أو تحريف ما فيه من معارف وأحكام، وهذا الأمر هو من تكاليف النبيصلی الله عليه وآله وسلم بقي مناط به حتى يوم وفاته، وأكثر الأنبياء الذين أرسلوا لهداية الناس كانوا من هذه الفئة، وهذا المقام نابع من مرجعيتهم العلمية التي حباهم الله تعالى بها، وهذا يسلتزم أن يكون كلامهم حجة في شرح وبيان الكتاب الإلهي وتبليغ الدين، وهو بعد رسول اللهصلی الله عليه وآله وسلم واحدة من وظائف الأئمة (عليهم السلام) .
الأولياء
الله تعالى: بناءً على ما في المتون الدينية، فإنّ الولي الحقيقي هو الله تعالى الذي لم يأخذ ولايته من أحد، والقرآن الكريم أيضاً أشار في عدّة آيات إلى هذا الأمر، وهو الولي على أهل الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.]
النبي صلی الله عليه وآله وسلم:
الفقيه الجامع للشرائط:
أهم مميزات الولاية
الحجّية في الكلام، وهي لا تنفك عن ولاية الولي، فمن له ولاية حقيقية واعتبارية فبالضروة لابد أن يكون كلامه حجّة ولابد من إطاعته
الولاية التكوينية -كما عرّفت في مصادر الشيعة-؛ هي «إرادة المعصوم نبياً كان أو وصياً»، وهي من مبادئ تحقق الإرادة الإلهية؛ أي أن الله سبحانه - في مثال إبراء الأكمة والأبرص على يد النبي عيسى (ع) - لا يريد إبراءهما إلا إذا أراد ذلك عيسى (ع)، على سبيل المثال.
الولاية في اصطلاح الفقهاء: تنفيذ القول على الغير، شاء أو أبى. فتشمل الإمامة العظمى، والقضاء، والحسبة، والمظالم، والشرطة ونحوها. كما تشمل قيام شخص كبير راشد، على شخص قاصر، في تدبير شؤونه الشخصية والمالية. كذلك وردت على ألسنتهم ، بمعنى : إقامة الغير مقام النفس في تصرف جائز معلوم ؛ فتناولت الوكالة ونظارة الوقف ونحو ذلك .
ما هي أركان الولاية؟
الولاية لها ركنان: القوة والأمانة، والقوة متعلِّقة بالقدرات سواء كانت علمية أو عملية، والأمانة متعلِّقة بالدِّيانة، قال شيخ الإسلام في" السياسة الشرعية" (ص: 12-14):" وينبغي أن يُعرف الأصلح في كل منصب؛ فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة.
أنواع الولاية :- الولاية التشريعية - الولاية التكوينية- الولاية الروحية والهداية بالأمر
ظهرت نظرية «ولاية الفقيه» عام 1829 على يد النراقى وعززها بعده الشيخ الكورانى، ولكنها لم تطبق عمليا إلا على يد الخومينى ولم يعرفها العوام إلا بعد قيادته لإيران عام 1979 حيث وضعها حيز التنفيذ.
قرر الخومينى أن للولى الفقيه الولاية المطلقة على المسلمين التى كانت لرسول الله «صلى الله عليه وسلم» وللإمام على بن أبى طالب.
والنظرية تجعل الولى الفقيه حاكما باسم الإله، ببساطة لأنه معصوم ولا تجوز معارضته أو نقده أو مراجعته أو مناقشة تصرفاته.
الشيعة الإمامية يرون أن الولاية تكون للفقيه، أما أهل السنة فيرون أن الولاية تكون «للأمة»، وهى تعنى حق الأمة فى اختيار حكامها.. وتوليتهم وعزلهم ومحاسبتهم إذا لزم الأمر، «وإن كان ذلك لا يحدث فى أكثر بلادهم خاصة بلاد العرب فى العصر الحديث».
وقد وضح ذلك من مبايعة جميع الصحابة فى دار السقيفة لأبى بكر الصديق رضوان الله عليه وكذلك بيعة عمر وعثمان وعلى وعمر بن عبدالعزيز، ووضح ذلك من اتفاق الحكمين أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص رضى الله عنهما من رد الأمر إلى النفر الذين توفى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عنهم راضٍ «أى إلى الأمة».
لقد كان الإسلام عظيما حينما اعتمد نظرية «ولاية الأمة»، وهذا يعطى الاستقلال لكل دولة فى اختيار حكامها، بل إنه يعطى سكان الولايات حق اختيار حكامها المحليين بالانتخاب كما يحدث الآن فى النظام الفيدرالى الأمريكى وفى بريطانيا وفرنسا، ليكون ولاؤهم للشعب الذى أولاهم ثقته وعينهم، ولا يكون ولاؤهم للحاكم الذى منَّ عليهم بهذه الوظيفة.
إن البعض يظن أن نظرية «ولاية الأمة» أو سيادتها تعاكس مبدأ تطبيق الشريعة، ناسين أن سيادة أو ولاية الأمة تعنى أن الأمة هى «صاحبة السلطات»؛ لأنها تملك توليتها ومحاسبتها أو عزلها بالطرق القانونية والسلمية.
أما الشريعة الإسلامية فتمثل الإطار القانونى للدولة، أو ما يطلق عليه «المرجعية القانونية العليا للدولة».
و«ولاية الأمة» أو «سيادتها» تتيح لفقهاء ومفكرى كل دولة أن يجتهدوا فيما يناسب هذه الدولة من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية، فلكل دولة ظروفها، ولكل شعب أعرافه ومدخلاته ومخرجاته وما يحب وما يكره، شريطة ألا يصطدم ذلك بثابت من ثوابت الإسلام أو يحل حراما أو يحرم حلالا، وهذا كله يعطى الشريعة الغراء ومذهب أهل السنة والجماعة مرونة سياسية واقتصادية وإدارية كبيرة تمكنها من التعامل مع شتى المجتمعات والأعراف مهما كان تباينها، ولعل ذلك يعد سرا من أسرار خلود الشريعة الإسلامية.
إن فكرة ولاية الفقيه، تنحى الأمة جانبا «وهى من هى»، وتقدم الفقيه عليها، والأمة أولى من الفقيه مهما كان علمه وشأنه وتضحياته.
كما أن فكرة «ولاية الفقيه» تعتمد على عصمة الإمام أو الفقيه، والعصمة انتهت بموت النبى صلى الله عليه وسلم، لأن العصمة مستمدة من الوحى، وبانقطاع الوحى تنقطع العصمة.
فالرسول بشر كسائر البشر ولكنه يتميز عن غيره بالوحى الذى يعصمه من الزلل ويصحح اجتهاده إذا أخطأ.. ويصوب حركته باستمرار، قال تعالى: {قُلْ إِنَمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ}.
أما اجتهادات الرسول (صلى الله عليه وسلم) البعيدة عن الوحى فهى محل أخذ ورد سواء فى الحرب أو الزراعة أو شئون الحياة التى لا وحى فيها.. وقد حصرها الفقهاء وأوسعوها ذكرا.
ولذلك قال الصحابى الجليل للرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد أن نزل بالجيش خلف آبار بدر: «أمنزلٌ أنزلكه الله فلا نتقدم عنه أو نتأخر.. أم هو الرأى والحرب والمشورة؟«,فرد عليه النبى (صلى الله عليه وسلم): «بل هو الرأى والحرب والمشورة»، فقال الصحابى: «ليس هذا بمنزل».. وكأن الصحابى رضوان الله عليه أراد أن يفرق بين اجتهاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) البشرى الذى يقبل الأخذ والرد، وبين ما جاءه عن طريق الوحى الذى يلزم جميع المسلمين.
إن فكرة «عصمة الإمام» تجعله وحكمه غير قابلين للنقد أو التصويب أو التصحيح.. وتجعل قوله ملزما للكافة والخاصة والعسكريين والسياسيين والاقتصاديين حتى فى مجالات تخصصهم.. وهذا موضع خطر عظيم فى إدارة الدول ومؤسساتها.
ورحم الله أبا بكر الصديق الذى قال: «إن أصبت فأعينونى وإن أخطأت فقومونى»، رغم أنه أكثر المسلمين إيمانا وأعظمهم عطاء.
وهذا عمر بن الخطاب أعظم حكام المسلمين قاطبة يقول: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
نظرية «ولاية الفقيه» تمثل الآن لب الفكر السياسى الشيعى كما تمثل نظريات سيد قطب عن «الحاكمية والتكفير» لب فكر أكثر جماعات العنف الدينى السياسى المنسوبة إلى السنة زورا مثل القاعدة وداعش وأخواتها وهى أقرب إلى فكر الخوارج، ولكن الأولى نجحت فى بناء دولة ثم إمبراطورية أما الثانية ففشلت.
نظرية«ولاية الفقيه» هى السبب فى احتلال إيران لأربع دول عربية هى سوريا والعراق ولبنان واليمن والطمع فى المزيد.
وهى السبب أيضا فى الازدواجية الخطيرة، التى تعيشها إيران والتى ستضرها ضررا بليغا فى المستقبل، ازدواجية المرشد والرئيس، والحرس الثورى والجيش الإيرانى، وميزانية الدولة وميزانية «قم».
إننا بحاجة إلى «ولاية الأمة»، لأنها أقرب إلى النفوس والنظم العالمية الحديثة، وكفيلة بأن تتولى الأمة كلها مسئولياتها ولا تضعها برمتها فى عنق شخص أو أشخاص مهما كان صلاحهم وتقواهم وتضحياتهم ونظافة أيديهم.
أيهما أولى.. ولاية الأمة على نفسها أم ولاية الفقية؟!
معنى ولاية الفقيه في اللغة والاصطلاح
معنى ولاية الفقيه في اللغة والاصطلاح، تطرقنا في البحث السابق إلى مصادر ولاية الفقيه وذكرنا أهم البحوث التي دونت في بحث ولاية الفقيه.
هنا أيضاً نتطرق الى معنى ولاية الفقيه في اللغة العربية وفي الاصطلاح الفقهي لأن ولاية الفقيه قد تبحث من ناحية فقهية وقد تبحث من ناحية كلامية وقد تبحث من ناحية عرفانية وقد تبحث من عدة نواحي، ما يهمنا في بحثنا إنما هو البحث الفقهي لذلك إذا قلنا معنى ولاية الفقيه في الاصطلاح يعني في اصطلاح فقهاء الإسلام[]
النقطة الأولى: معنى الولاية الأمر الأول معنى الولاية في اللغة، الأمر الثاني معنى الولاية في الاصطلاح.
الأمر الأول: معنى الولاية في اللغة:
قبل أن نتطرق الى كلمات اللغويين نشير الى نقطتين مهمتين:
النقطة الأولى أن لفظ الولاية يأتي على نحوين فتارة بالكسر وِلاية وتارة بفتح الواو وَلاية فإن جاءت اللفظة بكسر الواو وِلاية فهي اسمُ مصدر وتعني الإمارة والحكومة والسلطة كما قال ابن منظور في لسان العرب مادة وليَ قال ابن منظور والولاية بالكسر الاسم مثل الإمارة والنقابة لأنه اسم لما توليته وقمت به وقال ابن الأثير في النهاية مادة ولي والولاية بالكسر في الإمارة ومنه الحديث (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) وقال سعيد الخوري في أقرب الموارد مادة وليَ والولاية بالكسر الخطة والإمارة والسلطان طبعاً ـ هذا الكتاب من المعاصرين لا يمكن التعويل عليه نحن نذكر هذه الأمور للاستشراف فقط وإلا لا نرى حجية قول اللغوي ـ إذاً الى هنا الولاية إن جاءت بكسر الواو فهي بمعنى السلطنة الإمارة الحكومة.
الأمر الثاني وإن جاءت كلمة الولاية بفتح الواو وَلاية فهي مصدر وتكون عند الفتح مشتركة لفظياً لمعاني عديدة منها البلد والإقليم الذي يحكمه الوالي كما جاء في أقرب الموارد مادة وليَ الولاية بالفتح مصدر والبلاد التي يتسلط عليها الوالي ومن معاني الولاية بالفتح معاني أخرى غير الإمارة والسلطة والحكومة مثل النسب والنصرة والمُعتِق وغير ذلك قال ابن الأثير في النهاية مادة وليَ قال فالولاية بالفتح في النسب والنصرة والمعتق.
الى هنا تكلمنا بشكل موجز في الأمر الأول وهو إن الولاية تأتي إما بكسر الواو فتكون بمعنى السلطة أو الحكومة أو الإمارة وإما بفتح الواو وَلاية فتأتي بمعاني عديدة فيصبح لفظ ولاية مشتركاً لفظياً أبرز معانيه البلد ولاية كذا يعني بلد كذا ويطلق على النصرة ويطلق على المعتق الولي ويطلق على النسق هذه النقطة الأولى الملاحظة الأولى في كلمات اللغويين.
الأمر الثاني: نذكر الملاحظة الثانية معنى الولاية أو الوَلاية الذي ذكره علماء اللغة إما أن يأتي مطلقاً وإما أن يأتي مقيداً فإن جاء مقيداً بقرينة فسرت لفظة الولاية بما تدل عليه القرينة كما لو قلت ولاية خراسان فهذا معناه بلد خراسان أو ولاية السلطان فلان يعني حكم السلطان فلان وهذا ما أشار إليه ابن الأثير في النهاية مادة وليَ قال وأكثرها قد جاءت في الحديث فيضاف كل واحد الى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه.
إذاً الأمر الثاني: لفظة الوِلاية أو وَلاية إما أن تأتي مطلقة وإما أن تأتي مقيدة فإن جاءت مقيدة فسّرت وفق القيد والقرينة وإن جاءت مطلقة فإن جاءت مفتوحة فقطعاً لا تعني الإمارة والسلطة والحكومة بل تعني أحد المعاني المشتركة كالبلد أو النسب أو المعتق وهذا يحتاج الى تلمس القرائن الدالة على المعنى، وإذا جاءت مكسورة فهي قطعاً تعني الإمارة والسلطة والحكومة هذه الصورة الثانية، إذاً الصورة الأولى مقيدة والصورة الثانية مطلقة ويمكن تلمس القرائن.
الصورة الثالثة إذا جاءت لفظة ولاية مطلقة لكنها مهملة لا بفتح الواو ولا بكسرها وافترضنا أنه لا توجد قرينة تفسرها هنا إذا جاءت لفظة وِلاية أو وَلاية مطلقة ولا توجد قرينة صارفه فهنا تعني الولاية بالكسر بمعنى الإمارة والسلطة والحكومة لأن هذا هو معنى الولاية حقيقة عند اطلاقها فإن الولاية عند اطلاقها تشعر بالتدبير والقدرة والفعل وهذه المعاني من التدبير والقدرة والفعل إذا لم تلحظ في الوالي فلا يصح إطلاق لفظ الوالي على من يتلبس بها.
يقول ابن الاثير في مادة وليَ وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل وما لم يجتمع ذلك فيها لم يطلق عليه اسم الوالي إذاً كلمة الولاية ظاهر حقيقة في التصرف في التدبير السلطة على الغير تدبير شؤون الغير وإذا راجعنا استعمالات القرآن الكريم لمفردة الولاية نستشعر منها معنى التدبير نذكر ثلاثة آيات:
الآية الأولى ما جاء في سورة مريم على لسان زكريا× حينما طلب الذرية قال ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ هذا الولي الذي يرث ظاهر في التصرف وفي السلطنة.
الآية الثانية ما جاء في سورة الإسراء ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ فقد جعلنا لوليه سلطاناً يعني سلطنة قدرة على التصرف.
الآية الثالثة ما جاء في سورة البقرة ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ...﴾ يعني يتسلطون عليهم الطواغيت ويتصرفون فيهم.
الى هنا انتهينا بشكل مختصر وموجز من بيان معنى الولاية في اللغة وخلاصتها إن الوِلاية بالكسر بمعنى السلطة أو الإمارة أو الحكومة وبالفتح مشترك لفظي ومنه البلد وإذا جاءت لفظة الولاية مقيدة أو مطلقة ولكن هناك قرينة تقيد هذا الاطلاق أُخذ بالقرائن التي تفيد القيود وإن جاءت لفظة الولاية مطلقة ولم يمكن تلمس القيود والقرائن انصرفت الى السلطة لأن لفظ الولاية مشعر بالتدبير والقدرة على التصرف.
يقول الراغب الأصفهاني مادة، وليَ، عادةً الكثير من الفقهاء يستشهدون بالراغب الأصفهاني î وهو متأخر المفروض إذا يتم الاستشهاد بكتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي أو كتاب المغرب أو أقلها الصحاح للجوهري وإلا ما بعد ذلك كله متأخر أو القانون في الفيروز آبادي المتقدمين على صاحب الصحاح.
قال الراغب الأصفهاني الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما يعني يقول والولاية بالفتح النصرة والولاية بالكسر تولي الأمر الى آخر كلامه.
وقال الجوهري في الصحاح مادة وليَ الولي القرب والدنو يقال تباعدنا بعد ولي وكُل مما يليك أي كل ما يقربك وكذلك ولي الوالي البلد وولي الرجل البيعة ولاية فيهما وكل من وليَ أمر واحد فهو وليه وأشار الى الوالي والى السلطنة وقال ابن منظور في لسان العرب كلام طويل يقول وقال سيبويه الوَلاية بالفتح المصدر والوِلاية بالكسر الاسم مثل الإمارة والنقابة لأنه اسم لما توليته وقمت به فإذا أرادوا المصدر فتحو.
ويقول ابن الأثير في النهاية مادة ولي كلام طويل وقد تكرر ذكر المولى وهو اسم يقع على جماعة كبيرة المولى فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار والعم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه وأكثر وقد جاءت في الحديث فيضاف كل واحد الى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه وكل من ولي أمراً أو كان به فهو مولاه ووليه وقد تختلف مصادر هذه الأسماء فالولاية بالفتح في النسب والنصرة والمعتق والولاية بالكسر في الإمارة.
وقال في معجم مقاييس اللغة ابن فارس مادة وليَ يقول ومن الباب المولى المعتق والمعتَق والصاحب والحليف وابن العم والناصر والجار كل هؤلاء من الولي وهو القرب وكل من ولي أمر آخر فهو وليه.
أقرب الموارد لسعيد الخوري وليَّ الشيء وعليه ولاية ولاية ملك أمره وقام به إلّا إن قال الوَلاية بالفتح مصدر والبلاد التي يتسلط عليها الوالي الى أن يقول والوِلاية بالكسر الخطة والإمارة والسلطة آخر كلام المصباح المنير يقول مادة وليَ الولي فعيل بمعنى فاعل من وليه إذا قام به ومنه ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ، الى هنا انتهينا من ذكر كلمات اللغويين والشاهد هنا الولاية عرفنا ولاية الفقيه بمعنى سلطة الفقيه يعني تقرأ بالكسر لا بالفتح، إذاً الولاية في اللغة بمعنى السلطة والإمارة والحكومة ولاية الفقيه يعني سلطة وإمارة الفقيه.
وأما الولاية في الاصطلاح لعل من أفضل التعاريف ما ذكره الميرزا النائيني+ في تقرير بحثه الأول ، يقول الميرزا النائيني على ما قرره الآملي& يقول وبالجملة ما أحسن ما ذكره بعضهم في تعريف الولاية بقوله إنها عبارة عن الرياسة على الناس في أمور دينهم ودنياهم ومعاشهم ومعادهم طبعاً هذه الولاية سواءً كانت الولاية الشاملة للمعصوم أو الفقيه ولكن إذا أردنا أن نخصها لفظ الولاية للفقيه يمكن أن نعرفها بهذا التعريف الذي ذكره السلامي في بحوث استدلالية، هذا التعريف منصب قيادي رباني خالٍ من الوحي خص الله به بعض عباده لإدارة شؤون الناس والتصدي لأمورهم وتولي مصالحهم وفق القوانين الالهية ليقوموا بالقسط، هذا تعريف طويل جداً لا نحتاج الى هذا التعريف الطويل يمكن منصب قيادي رباني خالٍ من الوحي يثبت للفقهاء لإدارة شؤون الناس الدينية والدنيوية.
هذا تمام الكلام في بيان معنى الولاية في اللغة والاصطلاح وخلاصته الولاية في اللغة بمعنى السلطة والولاية في الاصطلاح بمعنى الرئاسة على الناس في أمور الدين والدنيا لذلك معنى الإمامة في الفكر السياسي الشيعي يختلف عن معنى الإمامة في الفكر السياسي السني، الإمامة في الفكر السياسي الشيعي وفي الفكر العقائدي الإمامي عبارة عن رئاسة الهية لأمور الدين والدنيا يعني منصب الهي أول من يجيء في الإمامة المنصب الالهي ولذلك تبحث الإمامة في أصول الدين عند الإماميين، بينما الفكر السني يخص الإمامة بخصوص الرئاسة الدنيوية فالمراد بالإمامة في الفكر السني هي عبارة عن الحكومة الدنيوية الخلافة والرئاسة الظاهرية ولذلك تبحث الإمامة في فروع الدين عند السنة والعامة وقد كتبت عدة كتب أشهرها الأحكام السلطانية للماوردي والأحكام السلطانية للفراء، وكل من يريد أن يبحث القيادة والرئاسة والإمامة والسلطة في الاسلام لابد أن يتناول هذين الكتابين الفراء الحنبلي والماوردي الشافعي واثنينهم كتبوا نفس العنوان الأحكام السلطانية كل واحد مباحثه مختلفة.
الأمر الثاني: الفقيه في الاصطلاح:
الفقيه على وزن فعيل مأخوذ من فقهَ، قال ابن منظور مادة فقِهَ أوتي فلان فقهاً في الدين أي فهماً فيه الى أن قال وفقه فقهاً بمعنى علم علماً الى أن يقول وأما فقهه بضم القاف فإنما يستعمل في النعوت يقال رجل فقيه وقد فقه يفقه فقاهة إذا صار فقيهاً ورجل فقيه عالم وكل عالم بشيء فهو فقيه وتفقه تعاطى الفقه، وقال سعيد الخوري في أقرب الموارد مادة فقهَ، فقه الرجل فقهاً وفقه فقاهة علم وكان فقيهاً الفقيه العالم بالفقه هذا واضح أنه خلط بين اللغوي والمعنى الاصطلاحي وقال في النهاية ابن الأثير مادة فقهَ اللهم فقههُ في الدين أي فهمهُ والفقه في الأصل الفهم في الأصل يعني في اللغة الفهم يقال فقه الرجل بالكسر يفقه فقهاً إذا فهم وعلم وفقه بالظن يفقه إذا صار فقيهاً عالماً، إذاً خلاصة معنى الفقه أو الفقيه في اللغة العربية أن الفقيه مأخوذ من فقه وفقه بمعنى فهم أو علم فالفقيه بمعنى الفاهم الفهيم مأخوذ من الفهم ولذلك في رواية عن رسول الله| إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين والهمه اليقين ليس المراد بفقهه في الدين يعني درسه خصوص الفقه والأحكام الشرعية فقهه في الدين يعني جعله فاهماً للدين مدركاً لحقيقة الدين المبين هذا تمام الكلام في معنى الفقيه في اللغة.
وأما معنى الفقيه في الاصطلاح:
فقد ذُكر للفقه عدة اصطلاحات ومن أهم الاصطلاحات ما ذكره آية الله الشيخ علي المشكيني& ، قال في بيان الفقه في اصطلاح الفقهاء، الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية أو تحصيل الوظائف العملية عن الأدلة التفصيلية وخلاصة النقطة الثانية وهي الفقه في اللغة والاصطلاح هي أن الفقه بمعنى فهم في اللغة وأما الفقه في الاصطلاح فهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية فيكون المراد بالفقيه في اللغة الفاهم والنبيه والعالم والمراد بالفقيه بالاصطلاح هو من يتمكن من استنباط الحكم الشرعي وهو ما يطلق عليه في زماننا المتأخر بالمجتهد الجامع لشرائط الفتوى وهذا يقودنا الى الأمر الثالث والأخير وهو بيان معنى الإجتهاد في اللغة والاصطلاح.
الإجتهاد في اللغة بمعنى بذل الوسع والمجهود قال ابن منظور في لسان العرب مادة جهدَ الإجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود وقال في أقرب الموارد الإجتهاد بذل الوسع في تحصيل أمر وقال ابن الأثير في النهاية الإجتهاد بذل الوسع في طلب الأمر وهو افتعال من الجهد الطاقة يكتفي بهذا المقدار أنه المراد بالإجتهاد في اللغة بذل وسع، طبعاً الآخوند في الكفاية قال الإجتهاد لغة تحمل المشقة، قال المحقق العراقي+ الإجتهاد مأخوذ من الجهد بمعنى المشقّة.
وأما الإجتهاد في الاصطلاح فله عدة تعاريف نذكر أربعة تعاريف:
التعريف الأول الإجتهاد هو استفراغُ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي وهذا التعريف في الأصل للعامة إذ ذكر الظن لأنهم أخذوا الظن بالإجتهاد وممن ذكر هذا التعريف الآمدي الشافعي وقد تمسك بعض الأصوليين من الإمامية بمثل هذا التعريف كالعلامة الحلي ، قال: الإجتهاد هو استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنية الشرعية على وجه لا زيادة فيه هذا التعريف الأول أخذ فيه تحصيل على الظن على الحكم الشرعي.
التعريف الثاني للشيخ البهائي& قال الإجتهاد ملكة يقتدرُ بها على استنباط الحكم الشرعيّ الفرعيّ من الأصل، فعلاً أو قوةً قريبة. إذاً الشيخ البهائي نص على أن الإجتهاد عبارة عن الملكة التي من خلالها يمكن استنباط الحكم الشرعي.
التعريف الثالث للآخوند الخراساني في كفاية الأصول فصل في الإجتهاد وتبعه السيد الخوئي قال الآخوند فالأولى تبديل الظن بالحكم بالحجة عليه، السيد الخوئي& ، قال: فالصحيح أن يعرف الإجتهاد بتحصيل الحجة على الحكم الشرعي لكن لم يذكر أنه ملكة.
التعريف الذي نختاره نفس هذا التعريف الثالث بإضافة قيد الملكة الوارد في تعريف البهائي فنقول هكذا: الإجتهاد ملكة يمكن من خلالها تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، هذا تمام الكلام في بيان المقدمة لبحثنا وقد ذكرنا في بداية البحث مصادر بحث ولاية الفقيه والمعنى المقصود لولاية الفقيه والمراد به سلطة وأمارة المجتهد الجامع للشرائط وولاية أمره وقد ذكرنا معنى الولاية ومعنى الفقيه ومعنى الإجتهاد في اللغة والاصطلاح وأمّا أقسامه ثلاثة القسم الأول الأدلة التي أقيمت على ولاية الفقيه أول ما نبحث الأدلة النقلية نشرع في الباب الأول الأدلة على أصل ولاية الفقيه وفي الباب الأول في القسم الأول الأدلة النقلية وأولها التوقيع المنسوب الى الناحية المقدسة (وأما الحوادث الواقعة).
الاختلاف بين فكرة ولاية الفقيه التي اعتمدها السيد الخميني أساساً لثورته وركيزة للنظام السياسي القائم في إيران من جهة، وبين فكرة ولاية الأمة على نفسها التي اعتمدها الشيخ محمد مهدي شمس الدين بصفتها قاعدة لانتظام عموم المسلمين وخصوص الشيعة من جهة أخرى، هذا الاختلاف لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في الاجتهاد الفقهي أو اختلاف في تقديم دليل على آخر أو ترجيح دلالة على أخرى، بقدر ما نجده اختلافاً يصل في عمقه إلى مفهوم الإمامة نفسه المعتمد عند الشيعة الإمامية، إن لجهة ماهيتها أو تعيين حدودها وتشخيص مهامها.
فالاجتهاد ليس مجرد عملية آلية في استنباط حكم من نص ديني أو دليل شرعي، بل هو عملية ذهنية تقوم على افتراضات مسبقة ومسلمات ثابتة يستند إليها الفقيه في استدلالاته. كما إن النصوص الدينية لا تتكلم لوحدها ولا تكشف عن معانيها بنحو الإظهار اللفظي أو اللغوي المباشر، بل القاريء، فقيهاً كان أم مفسراً أم كلامياً، هو الذي يُظهر معاني النصوص الدينية ودلالاتها بعد ممارسة نشاط عقلي واجتهادي داخل النصوص استناداً إلى أدوات معتمدة سلفاً وثوابت مسبقة.
يتأكد هذا حين تتم صياغة مفهوم ديني يتولد من تركيب وضم عدة أدلة (نصوص) بعضها إلى بعض، مثل مفهومي ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها، اللذان لا يُعتبرا حكماً دينياً أو تكليفاً شرعياً يتعلق بالسلوك بنحو مباشر، بل هما مفهومان عامان تتأسس عليهما أصول ومباديء الانتظام السياسي والديني للمجتمعات المسلمة. ما يجعلهما إطارين كليين متباينين لتفاصيل الحياة العامة والخاصة، الدينية والدنيوية، الفردية والجماعية، الشريعية والتنفيذية. بالتالي يرتقيا ليكونا المبدأ الكلي الذي يلي مسلمات الاعتقاد الديني، للإجابة عن السؤال الوجودي الكبير الذي بموجبه تتحدد وتتأطر أنماط عيش المسلمين (الشيعة) ووعيهم وتضامناتهم: كيف ينظم المسلمون (الشيعة على وجه الخصوص) أنفسهم؟ وما هي قواعد ومسلمات المشروعية السياسية؟ وكيف ينتظم الشيعة في الزمن الذي يغيب فيه الإمام غيبة غير معلومة الأمد والطبيعة؟
هنالك تباين بيِّن بين مفهومي ولاية الفقيه وولاية الأمة على نفسها، لا في طريق الاستدلال فحسب، بل في مفهوم الإمامة نفسه. فالفهم الأول، أي ولاية الفقيه، يرى أن ولاية الإمام "المعصوم" مطلقة لغرض تدبير شؤون الدين وتفسير نصوصه وبيان أحكامه وتنظيم جميع شؤون الحياة الإنسانية في ابعادها السياسية والاجتماعية والفكرية. فـــ "كل ما يناط بالنبي فقد أناطه بالأئمة من بعدهم فهم المرجع في جميع الأمور والمشكلات والمعضلات وإليهم فوضت الحكومة وولاية الناس وسياستهم". هو شمول ينبع من شمول حاكمية الله في جميع شؤون البشر الدينية والدنيوية، وتتجلى في "الحكومة الإسلامية" التي هي "حكومة القانون الإلهي والحاكم هو الله وحده".
إطلاق سلطة الإمام "المعصوم"، سوغت له نقل صلاحياته ومهامه إلى من ينوب عنه. فسلطة الإمام ليست خاصية ماهوية أو جوهرية للإمامية يمتنع على الآخرين (غير الإمام "المعصوم") حيازتها أو ممارستها. فولاية الإمام ليست سلطة ملازمة لشخصه وصفاته الذاتية التي لا تتوفر في أشخاص آخرين غيره، بقدر ما هي حق مطلق ووصاية مطلقة يمتلكهما الإمام على الدين وعلى عموم الناس معاً، تخوله صلاحية تفويض كامل سلطته المطلقة إلى الآخرين حتى لو لم يتمتعوا بالصفات والخصائص الذاتية المتوفرة في الإمام من عصمة وعلم لدني ونص عليه من الله أو النبي بإسمه وشخصه.
بذلك، لا تعود ممارسة السلطة السياسية مقتصرة على شخص الإمام، بقدر ما هي حق يحوزه الإمام ويملك صلاحية نقله إلى آخرين. فولاية الإمام ليست مجرد ممارسة سلطة وفق قواعد مشروعية دينية، بل هي أصل وأساس أية مشروعية داخل المجتمع، دينية كانت أم سياسية. والإمامة ليست سلطة تحتاج إلى شرعية، بل هي منبع الشرعية ومصدرها التي تقتضيها حاكمية الله وتحتاج إليها كل سلطة أمر لممارسة نفوذها ومهامها في المجتمع. هذا الفهم شكل الأرضية المسبقة التي تأسست عليها نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي أطلقها السيد الخميني، سوغ من خلالها صحة ممارسة الفقيه لنفس سلطة الإمام المطلقة في زمان حضور الإمام وفي زمان غيبته معاً. فلم تعد الشرعية السياسية من ملازمات شخص الإمام أو من متفرعات حكمه الموعود الذي "سيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا". أي لم تعد العصمة من شروط مشروعية أي حكم سياسي، وهي الشرط الأساسي الذي أصر عليه الشيعة الإمامية الأوائل في مشروعية أي حكم سياسي بعد النبي. إذ يكفي أن يكون الحكم بشرياً وغير معصوم بشرط استناده إلى تفويض أو تنصيب أو تعيين من الإمام دل عليه دليل شرعي أو نص ديني، من قرآن أو قول للنبي أو أحد الأئمة "المعصومين". وهو ما عمد الخميني إلى تأسيسه من خلال اعتماد أدلة دينية تحمل بنظره مؤونة دلالية قوية تؤهل أشخاصاً غير معصومين استلام مقاليد السلطة والحكم وتدبير أمور الدين نفسه، سواء في تنفيذ أحكامه أو حتى في تعديلها واستحداث أحكام جديدة.
الشيء الثابت في مفهوم ولاية الفقيه هو أن السلطة شأن تعبدي وحقيقة شرعية وليست حقيقة عقلية أو تاريخية أو مجتمعية. فالسلطة السياسية بنظر الخميني أمر جعلي يجعله الشارع (الله) وحده، أي ينشؤه ويقرر طبيعته وحدوده. لذلك لا يختلف جعل (إنشاء وتشريع) ولاية الفقيه بنظر الخميني عن جعل وصاية القاصر. فولاية الفقيه بحسب الخميني: "أمر اعتباري جعله الشرع كما يعتبر الشرع واحد منا قيماً على الصغار، فالقيم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية".
بل يرتقي الخميني بولاية الفقيه وفق منطق وسياق استدلالاته لتكون من ملازمات الاعتقاد الديني الذي يقوم على حاكمية الله المتمثلة بحاكمية النبي وحاكمية الأئمة المطلقتين، الذين "فوضت إليهم الحكومة وولاية الناس وسياستهم". فلا مجال وفق هذا الثابت للفصل: بين مجال ديني وبين مجال عام (Public Domain)، بين التكليف الديني أو الوظيفة الدينية الشرعية وبين النشاط السياسي، بين حق طبيعي تقتضيه الطبيعة الإنسانية وبين حق ينشؤه الدين ويعترف به. فالأساس هو استمرار سلطة النبي بشموليتها الكاملة وكثافتها القداسوية عبر من يمثلونه ويحلون محله من الأئمة "المعصومين"، ثم بانتقالها من هؤلاء الأئمة بتفويض منهم في حال غيبتهم مكانياً أو زمانياً إلى الفقيه الجامع للشرائط، بحيث تكون "قيمومة النبي والإمام من الناحية العملية لا تختلف عن قيمومة أي فقيه عالم عادل في زمن الغيبة". وهي قيمومة تؤهل فقهاء اليوم أن يكونوا بحسب الخميني: "الحجة على الناس كما كان الرسول حجة الله عليهم".
بهذا يصبح مبدأ ولاية الفقيه عمدة ونقطة ارتكار أي نشاط أو موقف سياسي. فلا مكان للميل أو الرأي الشخصي، بل لا مكان للتنافس السياسي، أو لما يسمى بالرأي العام أو إجماع المسلمين أو حتى الشورى بينهم، بقدر ما تكون كل مسائل الحياة العامة ساحة تجسيد لحاكمية الله وترسيخ لمعتقد حاكمية الإمامة، ومنطقة ولاء (طاعة وانصياع) للتراتبية الهرمية التي يستلزمها مبدأ الولاية نفسه، بحيث يكون الخارج من مبدأ ولاية الفقيه خارجاً من مبدأ ومعتقد الإمامة نفسه.
لهذا السبب وجدنا الخميني يرى أن ولاية الفقيه ليست مجرد تكليف شرعي فرعي يستنبط من أدلة شرعية مخصوصة من قرآن وسنة، بل هي مسألة بديهية "لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أن من عرف الإسلام أحكاماً وعقائد يرى بداهتها". هذه البداهة بنظر الخميني مستمدة من حاكمية الله بضرورة تطبيق أحكامه وإقامة "النظام الإلهي" الذي يرتضيه، وتقوم على ملازمة عقلية وحتى شرعية بين ولاية الإمام "المعصوم" وولاية الفقيه، ترفع ولاية الفقيه من مستوى المسائل الفرعية المستنبطة بالدليل الشرعي الظني، إلى مستوى الاعتقاد الملازم لعقيدة الإمامة، إثباتا ونفياً، تكون فيها ولاية الفقيه عين الإمامة نفسها في زمن غيبة الإمام، مثلما تشير إليه رواية ابن حنظلة التي اعتمدها الخميني لإثبات ولاية الفقيه، بأن "الراد (الرافض والمعاند) عليهم (الفقهاء) راد علينا (الأئمة)، والراد علينا راد على الله". فالإيمان والتقيد بولاية الفقيه بحكم بداهتها العقلية والشرعية، وفق سياق ومنطق استدلال الخميني، هي بنفس درجة الإيمان والتقيد بمبدأ الإمامة نفسه.
طرح ولاية الفقيه، لا يختلف من حيث تأسيساته النظرية ومسلماته وبديهياته عن التأسيسات الأصولية التي اشتهرت بها التيارات الأصولية السنية، وفي مقدمها تنظيرات أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، الذين أسسا أصل السلطة والحكم على مبدأ حاكمية الله حصراً ورفض اعتبارها شأناً بشرياً أو حقيقة اجتماعية أو ثمرة جهد وتفاعل إنساني. مع فارق بين الطرفين: بأن الحاكمية تتجلى في المجال السني بتطبيق تفاصيل الشريعة الإسلامية من دون اشتراط جهة مخصوصة تقوم بالمهمة، وتتجلى في المجال الشيعي بالإمامة التي يجسدها الولي الفقيه في زماننا. ما يجعل الحاكمية في المجال الشيعي تقوم على مركزية سلطة شديدة تتمحور حول الولي الفقيه الذي يعود إليه (وفق اجتهاده الخاص) تدبير شؤون الدين والدنيا معاً. الحاكمية السنية شريعة مسبقة تشرط أية سلطة سياسية، والحاكمية الشيعية سلطة فعلية مسبقة تشرط أي نشاط إنساني أو فعل سياسي.