إن طبيعة الحكومة التركية وبالخصوص في ما يسمى بالمحافظات التركية، فانها لم تتجاوز كثيراً النظام الاقطاعي. فـ (البيه أو البيك) أو الشيخ أو الباشا ، كان لهم نظامهم وأسلوبهم الاستبدادي (الاعتباطي) في المحافظات والمقاطعات التركية، وكثيراً ماكانوا يتنازعون فيما بينهم، أو مع الحكومة المركزية. فالسلاطين في القرن التاسع عشر، كثيراً ما كانوا ضعفاء سياسياً مكتفين بالولاءات والمشاعر الحسية والدينية لمن يواليهم، وطالما أهملوا الاهتمام بشؤون الادارة (الفاسدة) التي كانت في يد الطفيليين الموجودين في القصر السلطاني، الى درجة أن الادارات والوظائف العامة كانت قد أضحت كسلعة تباع وتشترى، لتأمين الأرباح الأكبر وجني الأموال. ولم تكن المقاطعات الأرمنية استثناءاً من ذلك الفساد، لكن تعاستها كانت أكبر لأنها وقعت ضحية ليس فقط للادارات التركية بل للنفوذ الكردي القبائلي والعشائري أيضاً.
فالاكراد كما يُظنّ، الذين ينحدرون من أصل الفرثيين، يشكلون مجتمعات وجماعات عشائرية تُحكم أو تُقاد من قبل شيوخ محليين للقبائل والعشائر، ومع أنهم عاشوا مع الأرمن ومع النساطرة لقرون من الزمن، لكن لم ينفع كل ذلك التاريخ في نسج لحمة اجتماعية، حيث غالباً كانوا يبحثون عن أي فرصة لنهب المسيحيين والأرمن. وهذا ما سبب في مضاعفة مأساة الأرمن على وجه الخصوص، الذين بالاضافة الى استبداد الحكومة التركية المركزية والأغوات والباشوات الأتراك المحليين، الذين كانوا يتصرفون وكأنهم أصحاب وأرباب الرعية (الرعايا) ويبحثون عن فوائدهم الشخصية وحصد الأموال، والذين قلما فكروا في تطوير أحوال حياة الرعية ومعيشتها وشؤونها الاجتماعية. كلّ منهم كان يتصرف وكأن نهاية العالم ومصيره تحت قبضة يديه، كانوا يُفقرون الرعية من أجل أن يغتنوا هم شخصياً.
صور من أحوال الأرمن في تركيا القرن التاسع عشر:
في أي لحظة كان ممكناً توقع مجيء الأغا من منطقة أو قرية مجاورة مع فرسانه، ويفتح أو يخترع خلافاً معيناً مع رأس القرية الأخرى، ليبدأ العنف بحرق جزء من القرية وبسرق القطعان، والعمل بكل ما يمكنه الاضرار بالناس. وفي كل الأحوال إن انتصر هذا الأغا أو أو الآخر فالناس والرعية هي التي تتضرر، وكثيراً ما كان الأرمن، إن لم يكن غالب الأحيان، يقعون ضحايا هذه النزاعات والخلافات ويتحملون الخسائر.
البيكات والأغوات، الأتراك والاكراد، كانوا طالما يرسلون كلمة عن طريق شخص مرسال الى أحد الاشخاص الأرمن، يطلبون فيها غالباً أموالاً أو ماديات أخرى لمصالحهم الشخصية. ورفض الطلب من قبل الأرمني غالباً كانت كلفته حياته الشخصية ، أو شرفه أو ما يملكه من أملاك شخصية.
وبعض الأحيان كان الأغا يبعث بأتباعه من المسلحين الذين يدخلون الى كنيسة القرية ويستولون على آنيتها وموادها المقدسة، ويحجزونها لديهم رهينة لحين أن يقوم الأرمن بتسديد المطلوب من المال للأغا.
أو كانوا يأخذون رئيس دير للأرمن كرهينة، ويحجزونه أسيراً ، ويهيننه ويضربونه للتنكيل بكرامته وشخصه وجماعته المسيحية، لحين أن تقوم الرعية الأرمنية بدفع الفدية .
وفي أوقات أعياد المسيحيين، يقومون بممارسات أخرى ضد الأرمن، فمثلاً حين يقترب عيد الميلاد أو عيد الفصح المسيحي، يقوم الأغا أو الشيخ، بارسال طلب تسليم مفاتيح الكنيسة لأمرٍ أو حجةٍ ما، الأمر الذي ما كان بمقدور المسيحيين رفضه خوفاً من العواقب التي تصل الى حرق بيوت المسيحيين وقتلهم، فيقومون بتسليم المفاتيح، التي سيكون عليهم دفع الكثير من الأموال والتوسلات لاسترجاعها، ومقابل ازدياد تعنت الشيخ وتوسلات الأهالي تزداد قيمة الأموال التي عليهم دفعها له مقابل استرداد مفاتيح كنيستهم.
كما أن أعمال المسلحين الأتراك والأكراد و من الانكشاريين وغيرهم، لا يمكن وصف مدى وحشيتها وبؤسها، حيث لم يكن لديهم أي وازع أخلاقي يردعهم في طرق أبواب المسيحيين والأرمن في أي وقت من النهار أو في الليل، أو بعد منتصف الليل، ليطلبوا لحماً أو خبزاً أو غيرها من الأمور التي يندى لها الجبين.
فأحوال المسيحيين ومنهم الأرمن كانت مأساوية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر في تركيا . وبسبب هذه وغيرها من الأضرار التي وقعت على الأرمن منذ ذلك الوقت واستمرت لغاية الحرب العالمية الأولى، التي طالت حياتهم الشخصية وأملاكهم وشرفهم وايمانهم ومعتقداتهم الدينية ، وتعرضهم للاضطهاد الديني والسياسي والمحلي والأثني والقومي ، بدأوا بالنزوح داخل وخارج تركيا، وبدأت أعدادهم بالتناقص. لكن إضافة الى كل ما تعرضوا له من مأساة واحتقار ومجازر، تمكنوا مع كل هذا من الحفاظ على خصوصياتهم الدينية والثقافية والاجتماعية ، بل ازداد تعلقهم بها، وتمسكهم بأخلاقهم وتراثهم الذي ساعدهم على مقاومة أطماع البربر.
